
كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة
المصيدة:
يرجع مصدر كلمة المصيدة إلى الفعل صاد، والمصيدة نعني كل ما يمكن أن يوقع به الشيء غيره في شباكه، فربما يكون الصائد إنسانا أو حيوانا أو حشرة، فيعمل على نصب الشباك لغيره ليقع فيها ويصبح أسيرا لدى صائده، وأخطر المصائد ليست تلك الشباك التي ننصبها لصيد طائر أو حيوان أو غيره من الأهداف، بل إن أخطر المصائد في تاريخ البشرية هي مصيدة العقول وتحويلها عن مسارها وحرف بوصلتها عن الرؤيا والهدف الذي خلقت لأجله، ويعود الفضل في نهوض الأمم ورقيها وسعادتها واستشرافها للمستقبل في إذكاء العقول واستثارتها للبحث والمعرفة، وما انحطت الأمم إلا يوم أن تم اصطياد عقول مفكريها عبر مصائد جميلة براقة تغر الناظرين فانشغل العقل بها وراح يدور حوله ونسي وظيفته الأولى ودوره الأعظم.
إن وظيفة العقل هي وظيفة سامية مقدسة والعقل هو المترجم للوحي وبالعقل السوي تمكن الإنسان بعد النظر والتفكر من إدراك عظمة الخالق سبحانه، فوظيفة العقل إذا أن يرفع مقام صاحبه إلى أسمى درجات القرب من الرحمن ويرتفع بصاحبه عن الدنايا والصغائر، كما أن وظيفة العقل أن يسيح في هذه الحياة ليدرك آثار العظمة الربانية ويترجمها للبشرية.
ووظيفة العقل ليست في المفاضلة بين الخير والشر لأن هذه المفاضلة معروفة بالفطرة السوية، أما دور العقل المبدع الناضج السوي هو أن يميز بين الخيرين فيختار أفضلهما، ويمايز بين الشرين ليبتعد عن الأسوأ منهما.
وقد خاطب الله تعالى العقل السوي في القرآن ودعاه الى السمو والارتقاء فنجد أن كثيرا من الآيات تختم بنداء: (إن في ذلك لآيات لقوم يتكفرون)، (لقوم يعقلون)، (إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب) وغير ذلك من المعاني التي تبين مرتبة العقل السوي المستقيم ودوره في تنوير الطريق أمام السائرين، بل إن الكفار يعترفون يوم القيامة أنهم عطلوا عقولهم وسعوا وراء شهواتهم وأهوائهم ولم تسعفهم أشكال العقول التي حملوها فوق رؤوسهم: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك، (10)، فقد كانت لهم تلك العقول التي استعملوها في نيل شهوات الدنيا ولم ترتق بهم تلك العقول للتوفيق بين خيري الدنيا والآخرة.
من مظاهر تحجيم العقل في واقعنا المعاصر أن الكثيرين استعملوه للتبرير والجدل بدل أن يطلقوه في البحث والإبداع، لذا نجد أن كثيرا من الناس رغم علمهم ومعرفتهم إلا أن مداركهم وأفعالهم قاصرة وتدور حول نفسها وذلك يرجع إلى تحجيمهم لوظيفة العقل وإشغاله إما في تبرير مقاصدهم أو في الدوران حول أنفسهم وشهواتهم.
تعيش الإنسانية اليوم أرقى مظاهر الانفتاح العقلي والمعرفي في مراحل حياتها، فنجد أننا بكبسة زر على الحاسوب او الهاتف نستخرج كما هائلا من المعلومات حول أي موضوع نريد بحثه، وفي قطعة صغيرة يمكننا تخزين ملايين الكتب والمجلدات التي كنا نحتاج لحملها العصبة أولي القوة من الرجال.
إن أعظم مظهر من مظاهر قوة الأمم اليوم وأمس وغدا هو قدرتها على إطلاق العقول للبحث والنظر الحر واختيار الأفضل والأنسب وملائمة العلوم والمعارف بما يلائم واقع الأمة ومستقبلها بل إن الدور المطلوب للعقل العربي المسلم هو موضعة الأمة العربية والإسلامية في دورها الريادي الذي ارتضاه الله تعالى لها: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران (110)، فدور العقل أن يجتهد في نقل الأمة ووضعها في مكانها الريادي مقام الخيرية والأستاذية للأمم بما تحمله من قيم الرحمة والرأفة والتعاون وقبول الآخر وليس دور العقل أن يبرر للأمة الفشل والواقع المر الأليم الذي تحياه.
وهنا يبرز دور المدارس والمحاضن التربوية التي ينبغي أن تشكل منارات لإطلاق العقول ودور العلماء والمربين والمنظرين أن يوجهوا الجماهير نحو النظر في مقاصد الأمور ومعانيها وليس الوقوف مع المظاهر.
03/06/2020 07:47 pm 2,967
.jpg)
.jpg)