
كنوز نت -د. منعم حدّاد
تخطيط ماذا ولماذا؟
وجاء الزعيم الأوحد ذات يوم إلى تلك المدينة ترافقه ثلّة من "حرس (قِلَّة) الشرف" المكون من بعض الأعوان والمقربين، وكان في استقباله لفيف من "وجوه البلد وزعاماتها"، وبعد السلام والكلام والخطابات ومسح الجوخ وتقبيل الأيادي ولحس الأحذية ليوصلها كلها إلى السيد الأكبر الزعيم الأوحد تعبيراً عن الوفاء والإخلاص والالتزام بالمواقف "المشرّفة" ولكي ينعم على هؤلاء "الزعماء" بالنزر اليسير من فتات موائد الحرام التي يقتات منها... فاجأ الجمع المحتشد بإعلانه عن تقليد أحدهم وإحداهن منصبين مرموقين لكل منهما أبعد الأثر على البلد والمنطقة والحياة الحالية والمستقبلية...
ومن ثم غادر معاليه ومن معه (إلى حيث ألقت...) ومرت الأيام وكرّت وجاء يوماً
"وريثه" بعد أن "طيّره أرباب النعم" لتقصيره في "معمعة" الانتخابات الأخيرة، ترافقه "أجواق الهتّافين والمدّاحين" الآنية ليبشّر باقتراب ميعاد "إقرار المخطط الأمثل والذي سيسير بالمنطقة بأسرها قدماً..."!
• والتنفيذ؟ سأل مواطن فقير!
• ولماذا تسأل يا هذا؟ انتهره أحد المرافقين.
• مجرد كثر غلبة يا سيدي...واسمح لي إن تجرّأت وكرّرت السؤال منتظراً الجواب!
• ولماذا تسأل يا هذا؟ قال المسؤول بنبرة جفاء وقسوة وتهديد ووعيد...
• أسأل يا سيدي لأنني ابن هذه البلاد ومررت بتجارب تعيسة بائسة مع سابقيك...
• أمهندس أنت أم مخطط...؟
• بل إنسان ذو عقل نيّر ورأس مفكّر ومدبّر...
• إذن فاعلم وليعلم الجميع أن التنفيذ فوري ومباشر ولن يعيقه عائق! قال المسؤول.
• لشد ما أخشاه يا صاحب المقام هو أن تهبّ رياح خريفية قاسية فتطيح بالتخطيط وبالقائمين عليه...
• "فال الله ولا فالك" أيها المتشائم...
• بل المتفائل، والتجربة أكبر برهان...
وكاد مرافقو معاليه يلقون بالمسكين في التهلكة، لولا خشيتهم من إثارة الأهل...
ومرت الأيام وكرت وباشر المخططون والخبراء والمختصون بالتخطيط، مراعين – للوهلة الأولى - ما قدّم لهم من نصائح وإرشادات وطلبات من الناس المساكين، أصحاب الشأن والقضية.
لكنهم سدّوا آذانهم وجعل كل واحد منهم إحدى أذنيه طيناً والأخرى عجيناً وكأنه أصيب بالصمم وأغمض عينيه وكأنّه أصابه العمى المفاجئ وسدّ فاه وأصيب بالبكم وأصبح بحيث لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم تماماً كتمثال القرود الثلاثة إياه...
وسار العمل على قدم وساق، في أحد المكاتب المكيفة بعيداً عن العيون والأنظار...بعيداً عن المكان وحيثياته...
وتقدم العمل بوتيرة ليست سريعة وأخيراً أُنجز، وأعلنوا عن إنجازه في "وقت قياسي" (يبلغ أضعاف "الوقت الأساسي" الذي كان قد خصّص لإنجازه) وطبّلوا له وزمّروا واعتبروه مفخرة للكل...
ونشروا نتائج ما توصلوا إليه وقرروه وكله لمصلحة المواطن البائس المسكين، كما زعموا...
وتكرموا فمنحوا الناس فترة وجيزة للاطلاع على ما تمّ إنجازه وإبداء الرأي بمنتهى الحرية فيما يرون.
لكن الاطلاع على العمل المفخرة (بل المسخرة) لا يجوز إلا خلال أيام قليلة وفي ساعات محدودة وفي مكان قصي بعيد قلما يستطيع الناس الوصول إليه.
وأبدى الناس رأيهم فيما رأوا...
فإذا به تخطيط لا يخطط، وعمل لا يليق...يستهدف الصالح قبل الطالح وتمّ إعداده فقط للقضاء على كل أمل مستقبلي يحلم به أحدهم.
وانهالت الاعتراضات والاحتجاجات...
لكن أياً منها لم يقبل، بل رفضت كلها...
وكان الرفض "قانونياً دستورياً" يعتمد على وثائق وحقائق وقوانين ودساتير "قراقوشية" واضحة جلية أقرتها أعلى سلطات البلاد...
وصار المحظوظون والمدللون يقومون بكل ما شاءوا...ويأتون الحرام وينأون عن الحلال ويسرحون ويمرحون على هواهم بلا حارس ولا بواب... وغيرهم وعلى مدى خطى منهم يعاني الأمرين ويكابد شظف العيش والهول والثبور وعظائم الأمور.
لكن أحداً لم يسأل عن صلاح هذه السلطات صاحبة الشأن ولا عن صلاحيتها وأهليتها لاتخاذ القرارات وإملاء الإملاءات...
لأن الكل يعرف أنّها تحدرّت من نسل حكام سدوم....
وعاشت الديمقراطية والمساواة التامة...!
31/05/2020 04:00 pm 4,588
.jpg)
.jpg)