كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة



رائحة الكلام:


يتواصل الناس بين بعضهم البعض في هذه الحياة عبر اللغة، ولكل مجتمع أو فئة من الناس لغته الخاصة به والتي تطورت وتبلورت مع متغيرات الزمن لتعبر عن واقع الناس وآمالهم وآلامهم، واهتمت كل جماعة من الناس بالحفاظ على موروثها اللغوي التعبيري وصيانته لما يمثله من إرث وكنز لهذه الأمة أو الجماعة. 

فماذا تعني اللغة في عرف المجتمعات؟!، يخطئ من يظن أن اللغة هي مجرد كلمات أو أصوات أو مصطلحات يعبر بها الناس عن حالهم وينقلون عبرها مشاعرهم إلى غيرهم، فاللغة بما تحمله من موروث قيمي وحضاري تعني الهوية والانتماء لكل مجتمع أو أمة، وأبعد من ذلك فإن لكل كلمة في عرف الشعوب رائحة يشمها أصحاب الفكر السوي والمنطق السليم، لذا تهتم الأمم بالحفاظ على لسانها (لغتها) سليما من غير عوج أو انحراف.

واللغة تعبر عن فخر وعز للأمم في حال قوتها ونشوتها، فتوجد لنفسها من كلمات الفخار والعز ما يرفع الهمم ويدعو الى العز والفخار وفي حال انحطاطها نجد الأمم كذلك تصطنع لنفسها قاموسا يدعو الى الذل والخنوع والتسليم، وأمثال الشعوب العربية تزخر بمعاني العز والفخار ومعاني التسليم والخنوع وفقا للظروف والأوضاع التي عاشها هذا المجتمع أو ذاك.


ونحن العرب في فلسطين لنا مع الكلمات والأسماء معانٍ نشتمها أبعد من صورة الكلمة ذاتها، فعندما يسمع الفلسطيني كلمة برتقال؛ يستحضر مباشرة مدينة يافا القدس التي لا تزال بعض بياراتها عامرة الى يومنا هذا، يستحضر قوافل الإبل التي تنقل البرتقال من بيارات يافا وسهولها إلى الميناء ومنظر البواخر الراسية في خليج يافا لنقله إلى أوروبا وغيرها وعليه وسم (صنع في يافا)، وعندما يتذكر الفلسطيني كلمة الصبر يتذكر كروم الصبر التي زرعها الفلاحون لتكون حدودا للأراضي، يتذكر تلك النبتة التي لا تحتاج إلى الماء كثيرا والغنية بالفوائد وهي رمز الصبر والثبات، وعندما يسمع الفلسطيني في أي بقعة من العالم كلمة زيتون يستحضر فلسطين كلها من شمالها إلى جنوبها من سهلها إلى جبالها، يشم رائحة زيتون الجليل والمثلث وجبال الخليل، يتذكر تلك الشجرة التي تجمع العائلة حولها في موسم القطاف، يتذكر شجرة الزيتون الأم الرؤوم الرؤوفة التي سكن الناس في ظلها إبان نكبة فلسطين، فاتخذت كل عائلة لنفسها زيتونة وعاشت في ظلها إلى حين عودتها إلى قريتها أو تهجيرها إلى المنفى، أما كلمة العنب فتثير في النفس الأمل في بلاد الخليل وما حولها والتي نشتم رائحة عنبها حتى جبال الجليل، أما كلمة الموز التي تنقلنا من تلك الفاكهة الصفراء الشهية إلى غور أريحا ونشم عبق موز أبو ريحة اللذيذ يصل إلى قلوب أهل فلسطين عبر أثير الزمان والمكان، بينما كلمة الجوافة فتنقلنا إلى سهول قلقيلية العامرة بأنواع الجوافة المختلفة التي لا يدانيها في الطعم والمعنى أي صناعة للجوافة رغم تطور الوسائل والآليات، وعندما تذكر كلمة الخيار ننتقل إلى سهول شفاعمرو وطمره ومنظر العائلات التي تتنافس على زراعة هذه الثمرة لتقدم للمجتمع أجود ما عندها من الإنتاج، أما كلمة قهوة فتأخذنا في رحلة زمنية من بيوت الشعر في مضارب الصحراء إلى منازل العز والكرم، بل إن القهوة لكرامتها عند العربي رافقته في مناسباته كلها في الفرح والترح في المسرات والأحزان ولازمته في حله وترحاله، وإذا ذكرت كلمة الخيل يعيش الناس ابعد من منظر مخلوق جميل لا يفارق بيت العربي، بل هي الرفيقة في السلم والحرب وهي وسيلة الجهاد والنقل وهي رمز العز والشرف عند العرب، ومع كل كلمة أو مسمى في اللغة العربية تنتقل المشاعر والقلوب والأحاسيس إلى أبعد من صورة الكلمة لتعيش النفس معنى الكلمة وروحها وبعدها الوطني وسعتها الاجتماعية وحال الناس معها منذ غابر الزمان مع هذه الكلمة.

لذا ينبغي علينا أن نعيش مع الكلمة ونتذوقها روحا ومعنى وليس فقط مجرد لفظ، وينبغي أن ننقل هذه المعاني إلى الأجيال لتبقى ذاكرة الكلمة وعمقها حاضرة في النفوس وتدعو المجتمع إلى معاني العز والفخار الي يمكن استنشاقه عبر روح الكلمات.