كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة:


آدم الرمضاني

عندما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح، جاءت بعد ذلك مرحلة التكليف في حياته، حيث اباح الله تعالى له كل ثمار الجنة يأكل منها رغدا حيث شاء وحرم عليه شجرة واحدة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) البقرة، (35)، وهذا التحريم فيه الابتلاء والاختبار، وفيه كذلك وضع القيود في حياة الإنسان، فإن أول شرط في بناء العلاقات بين الناس هو وضع القيود لهذه العلاقات، ثم جاء الشيطان يقسم لآدم وزوجه الأيمان المغلظة أنهم ناصح لهم وأن الله تعالى ما نهاهم عن هذه الشجرة إلا لمنعهم من الخلود أو أن يكونوا من الملائكة: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) الاعراف19-21، وكانت هذه تجربة فريدة في حياة أبينا آدم وهي حكمة حتى نكون مزودين بآليات التعامل مع الخطأ، فالإنسان منا يأتي إلى هذه الحياة مزودا بهذه التجربة التي ورثها عن أبيه آدم عليه السلام، الذي بادر إلى الاعتراف بالخطأ والتوبة والندم فاجتباه ربه وهدى، بينما استكبر إبليس فباء بالخزي والعار والثبور. 

فأول ابتلاء مرت به البشرية هو الترك وتقييد الحرية وتقنين ضوابط العلاقات بين بني البشر وبين خالقهم في الجنة، وقد جعل الله تعالى هذا الابتلاء لأبينا آدم عليه السلام ركنا من أركان الإسلام ألا وهو الصيام، فالصيام عبادة ترك وليس فعل، فنحن في رمضان نترك شهواتنا من الطعام والشراب وغيرها، والله تبارك يشكر لنا هذا الصنيع ويثني عليه: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها) رواه البخاري، وعبارة؛ "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي"؛ تعني المدح في لغة العرب بل إن الله تعالى يكافئ الصائمين يوم القيامة بالنعيم المقيم جزاء ما تركوا من الطعام والشراب في الدنيا لأجل الله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) الحاقة، (24).

ولعل أعظم فلسفة في معاني الصيام أنه انتماء بين العبد وخالقه وذلك قوله تعالى: (الصوم لي وأنا أجزي به) ومعنى ذلك لأن الصيام انتماء عملي لمدرسة الأخلاق والسلوك التي جاءت الشريعة الإسلامية لتربي أبنائها عليها، فليس معنى الصيام جوع البدن وعطشه بقدر ما هو ارتواء الروح وإشراق القلب بأنوار القرب من الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون) البقرة،َ (186)، كما أنه إشراق وتجدد للإنسانية بتجدد المعاني الأخلاقية الراقية والسلوك القويم الذي جاء الصيام ليغرسه في النفوس: (الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين) فانظر كيف كان الصيام مانعا لصاحبه من الوقوع في الآثام والذنوب؛ وفي الحديث الآخر: ( ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ) أخرجه النسائي، وابن ماجه، وأحمد، ومن أروع كلام السلف ما قال بعضهم: إن أهون الصيام ترك الطعام والشراب.


إذا الصيام فريضة جاءت لبيان قواعد السلوك ورسم معالم العلاقات بين البشر فيما بين بعضهم البعض وفيما بينهم وبين خالقهم سبحانه، وهي ابتلاء اشبه بابتلاء الإنسان الأول في الجنة، فمن نجح في هذا الاختبار نال درجة الاجتباء، ومن أخطأ وتاب قبل الله توبته والويل لمن أصر على خطأه أو راح يبرر له الأعذار والمسوغات.