كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة:


ليس لكل جديد رقصة

تعوّد الناس في الحياة على مثل أن لكل "جديد رقصة" يفرح الناس بقدومه ويهللون لهذا الجديد، وليس هذا الأمر على إطلاقه، فكم قديم موروث في الذاكرة ينبغي أن نفرح به ونورثه للأجيال القادمة، فالدين قديم والأخلاق قديمة في المجتمعات وينبغي تقديسها والاهتمام بها وتوريثها للأجيال، نعم لا مانع من تحسين أسلوب العرض ليوافق الزمان والمكان ولكن يبقى الأصل على قداسته، أما عقدة الرفض لكل قديم والفرح بكل جديد فكثيرا ما دمرت المجتمعات البشرية وهدمت الحضارات الإنسانية.

يذكر الكاتب يوسف ادريس في قصة "الناس" عن شجرة يطلق عليها اسم "طرفة" نبتت في قرية قديمة، وحازت موقع التقديس في قلوب الناس نظرا لندرة وجودها في تلك المنطقة، ولقدرتها على شفاء أمراض العيون كما يؤمن أهل القرية، لاقت هذه الشجرة تأييد الجهلاء، وعدم تأييد الشباب المثقفين المتعلمين، الذين أصروا على إقناع أهل القرية - بقيادة ابن الصراف- ان هذه الشجرة ما هي إلا مجرد شجرة لا أكثر، وكل اعتقاداتهم بأنها مقدسة، وتشفي الإمراض هي خاطئة، لكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل، حتى يئسوا من تكرار المحاولة.

لكن زعيمهم ابن الصراف، وبعد ان يئس، لم يسلم بالهزيمة وظل يفكر بطريقة يقنع بها الناس ان كل ما يعتقدونه ما هو إلا خرافة.
في يوم من الأيام اخذ ورقة من شجرة الـ "طرفة" وعرضها على أحد أساتذته، فوجد فيها مادة مفيدة للعيون، فوافق رأي الناس، وأعلن لهم عن ذلك، إلا انه عندما عاد الشباب إلى البلدة من تعليمهم وجدوا ان الأمور كلها قد تغيرت وان الناس لم يعودوا الاكتراث بتلك الشجرة أو يهتموا بها واقتنعوا ان القطرة أنظف.


هذه القصة ربما تكون حقيقية أو بنت خيال المؤلف، ولكنها ترمز إلى صراع بين الأجيال في تقبل المعلومات والتعامل معها، فجيل الشباب هو جيل الثورة والتمرد على كل شيء حتى على نفسه أحيانا، وجيل الآباء هو جيل الحكمة والمعرفة والتروي، وقد أفادت لهم الأيام بتكرارها عقلا وحكمة.
ليس كل قديم يرفض أو يحارب ولا كل جديد يفرح به، وهنا لا بد من الوقوف على حقيقة مرة في زمن الغربة والضياع التي يعيشها مجتمعنا اليوم، هذه الغربة هي ليست غربة تهجير أو غربة أوطان بل هي غربة فكرية وشعورية، فالعاقل اليوم بات حيرانا من كثرة مشاهد الفوضى الفكرية التي نعيشها، وفي كل يوم نسمع عن مصلح أو مجدد يريد أن يأتينا بما لم يأت به الأوائل، وعندما يصطدم رأسه بجدار المغارة ويسيل الدم من جبينه يدرك حقيقة ضبع الثورة الذي يشتعل في داخله.

نعم للتجديد في الأساليب والوسائل واستحداث ما يناسب الزمان والمكان والمخاطبين، ولكن ليس بالتمرد على كل القيم الدينية والاجتماعية والتربوية التي ربطت المجتمع وشكلت عمود الواسط في تماسك المجتمع، نعم للتعلم من الغير ما يناسب مجتمعك وبيئتك؛ ف "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها"، ولكن لا يعني ذلك الذوبان في الحداثة والتنكر لكل قديم من جيل الآباء والأجداد، فكم من كلماتهم وموقفهم ما ينبغي أن يكون دليلا على طريق الأجيال نحو الإصلاح والمعرفة.

ولعلنا اليوم بحاجة إلى وقفة صادقة ع أنفسنا في موضوع القبول والرفض؛ ماذا نقبل وماذا نرفض؟ على ماذا نبقي من القيم الموروثة وماذا نجدد، ماذا نقدس وبم نكفر، ويبقى السؤال المهم: ما هي الكوابح التي تضبط سير مجتمعنا، أم أن كلا يغني على ليلاه، وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا؟