
كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة:
نملة ام عصفور:
ذكر الله تعالى في سورة النمل قصة النملة وقصة الهدهد، فالنملة والهدهد رأى كل منهما مشهدا معينا ولكن ردة الفعل اختلفت عند كل منهما، واختلف تفسير كل واحد بناء على قناعاته وثقافته.
النملة رأت مشهد جيش عظيم عرمرم يمشي في تجاه المملكة فبادرت بحدسها وذكائها إلى إنذار قومها وتبليغهم بالحذر الداهم ولم تكتف بوصف المشكلة وإنما قدمت الحل، بل إنها اعتذرت عن سليمان عليه السلام، وأوجد علماء التربية اليوم مصطلح ما يسمى قوانين النمل العشرة المشتقة من الآية الكريمة:
(حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) النمل، (18)، وهذا موقف مشرف لهذه النملة أن تسعى وتجتهد لنجاة بني جنسها وتختار لهم الأفضل حتى لا يهلكوا، بينما نجد في نفس السورة موقفا أشد وأصعب من موقف هلاك قرية، وإنما هو تهديد بالقتل والذبح إن لم توجد البينة: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) النمل، (20، 21)، فالنبي سليمان لما فقد الطير من حاشيته تهدده بالقتل والذبح والعذاب، وبعد فترة جاء الهدهد ليس ليدافع عن نفسه أو يبرر غيابه، بل جاء يحاجج سليمان عليه السلام: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) النمل:22-26.
وهنا يكمن الفارق بين تحليل المواقف بين الناس واتخاذ القرار في أي قضية أو موقف، فمن أراد السلامة لنفسه ولبني جنسه فإنه يختار نظرة النملة: (ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده)؛ بينما من اختار العمل والتضحية ولو على حساب نفسه فإنه ينظر إلى البشرية نظرة شاملة عامة، وهو ما يسمى "النظرة الشمولية" أو "مطل العصفور" كما يسمى في علم القيادة وهي نفس نظرة الهدهد، فالهدهد أثاره أن يرى مشهد أناس يعبدون شيئا من دون الله تعالى، فقرر نقل الحدث إلى نبي الله سليمان، فكان سببا في إسلام أمة كاملة يوم أن ترفع عن حظ نفسه، وهو المهدد بالذبح والعذاب وقال للنبي بلهجة الواثق: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)، فحرصه على هداية الناس ونظرته الشمولية لمصلحة البشرية أعطته جرأة ليقول هذا الكلام لنبي من الأنبياء، وكأنه يقول لسليمان عليه السلام: يا سليمان أنت تبحث عن سبب لغيابي وإني حريص على نشر الهداية بين الناس.
نظرة النملة كانت نظرة تهويل لحدث جعلها تبحث عن أسباب السلامة لبني جنسها، وكان في مقدورها أن تواجه سليمان عليه السلام وتنصحه أن يغير طريقه، ولكن نظرتها القاصرة وخوفها الشديد أدى إلى موقف البحث عن السلامة، بينما النظرة الشمولية والتي تبحث عن السلامة للجميع وليس فقط السلامة الفردية أعطت الهدهد مطلق الثقة ليواجه النبي ويكون سببا في خلاص البشرية من الكفر والضلال.
فهل تستطيع الأمة اليوم في عصر طفرة المعلومات وسهولة التواصل بين المجتمعات أن تنظر نظرة رحمة شمولية إلى إنسانية تسعى إلى قتل نفسها بما أوجدت من وسائل الدمار والقتل؟، هذه البشرية تبحث عن "هدهد" لطيف مشفق يحمل لها سبل الإنقاذ والخلاص، فهل نترفع عن البحث عن سبل النجاة الفردية ونسعى نجاة البشرية لنكون عظماء عند الله تعالى برحمتنا وبرنا لخلقه؛ فخير الناس أنفعهم للناس.
16/05/2020 04:22 pm 6,361
.jpg)
.jpg)