كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة


الانتقام بالنجاح والعمل


ربما يبدو العنوان مثيرا ومستغربا في ثقافة المجتمع العربي تحديدا لأن لعل الانتقام تعني الدماء التي تسيل أنهارا في المجتمعات على مدار التاريخ، وما قامت الحروب ولا اشتعلت المعارك والتي انتصر فيها الملوك والزعماء على جثث الأبرياء وآلام البؤساء وأنين المعذبين في الأرض ونواح الثواكل وفجعة الأيتام، وكل ذلك تلبية لنداء ال"أنا" الذي يذكي نار العداوات في القلوب لتمتد الأيدي بالقتل والإجرام.

ولعل الانتقام هو من طبع النفس الغضبية التي تأبى قبول الأذى والاعتداء وتفسره ضعفا وهوانا، ولكن الشرع الإسلامي يعلمنا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ألا ننتقم لأنفسنا، وان نعفو ونصفح قدر الإمكان، فعن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: ((ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتَهك حُرْمَة الله فينتقم لله بها))، فانظر إلى عظمة أخلاق النبوة فهو لا يسعى للانتقام لنفسه رغم شدة الأذى والسفاهة والشتيمة التي تعرض لها، والله تبارك وتعالى يمهل الكفرة والعصاة والمجرمين ويحتمل أذاهم: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) ال عمران (181)، ومع ذلك لم يعاجلهم بعذاب بل أخرهم وأمهلهم لعلهم يتوبون، ومن أروع العبر أن نبي الله موسى - عليه السلام - شكا ما يلقى من كلام الناس الى ربه؛ فعن وهب بن منبه أن موسى - عليه السلام - قال: رب، احبس عني كلام الناس، فقال الله تعالى: يا موسى، ما فعلتُ هذا بنفسي، فانظر إلى سعة حلم الله وإمهاله فهو خلقهم ورزقهم ومتعهم بالنعم والعافية وهم يشتمونه وينسبون له الزوجة الولد.
ولعل أعظم انتقام يتصدق به المرء على نفسه في الحياة هو سعيه إلى النجاح والعمل وترك أولئك المعوقين والحاسدين الذين يبثون أشواك الأذى في مسار الإنسان نحو النجاح وتحقيق الذات، فغايتهم من افتعال الأذى هو عرقلة نجاح الخصم، حاولت قريش أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتثنيه عن الطريق ولكنه لم يلتفت إليهم ومضى في طريقه إلى هداية الناس فلما بلغ الكمال في دعوته والمجد في رسالته جاءته جموع الكفر منقادة.

قبل سنوات قرأت أبياتا من الشعر كتبها أحدهم على سيارة بيع أسطوانات الغاز وسمى سيارته "أميرة الغاز" وكانت هذه الأبيات:


عداي لهم فضل علي ومنة** لا أذهب الله عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها** هم نافسوني فاكتسبت المعاليا

فسعي المرء إلى النجاح واجتهاده في ذلك هو أعظم انتقام لنفسه وأعظم رد على خصومه، بل إن هذا الرد هو الأدوم والأبقى والأعمق أثرا، فالتاريخ لم يخلد كلمة أو ردا أو انتقاما بقدر ما خلد النجاح لمن هم أهل له.

وكلما سعى المرء إلى النجاح والمجد واشغل نفسه بذلك فهو يتصدق على نفسه بما ينفعها وينفع المجتمع، كما أنه يبعث رسالة إلى المسيء أن لا وقت لدي للرد على تفاهاتك، ومن ينظر إلى واقع الحياة يدرك تماما أن من سعوا إلى الانتقام لأنفسهم ظلوا في ذيل قافلة تاريخ البشرية، بينما تقدم أولئك الذين لم تؤثر فيهم كلمات الأذى والتجريح، فنحن اليوم من أجل واقعنا ومستقبل أبنائنا يجب أن نشغل أنفسنا بانتقام العمل والنجاح لتكتب أسماؤنا على صفحات نجوم الخلود والإبداع.