كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة


صناعة العقول: العقل التجريبي


في كتابه كبرى اليقينيات الكونية يقول المرحوم البوطي: إن أكبر قيمة اضافها المسلمون إلى العلم البشري هي التجربة، بمعنى بث روح التجربة والبحث في العلم حتى تخرج ابحاثه مطابقة للواقع، وقد طبق علماء المسلمين هذا المنهج في التحقق من رواة الحديث النبوي فكانوا يختبرون الراوي ليعرفوا صدقه من كذبه، وقد عرفت العرب هذا العلم من استقصاء حال الإنسان ومتابعة طريقه، فهذه قريش تشهد لصدق محمد صلى الله عليه وسلم لما تابعوا طريقه ورأوا أنه لا يقول إلا حقا: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء: 214)، صعِد النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصفا فجعل يُنادي: يا بَني فِهر، يا بني عديٍّ - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يَستطِع أن يَخرُج، أرسل رسولاً ليَنظر ما هو، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أريتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟). قالوا: نعم؛ ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا، وفي رواية: "ما جرَّبنا عليك كذبًا"، فالتجربة الطويلة أدت بهم إلى اتخاذ هذا القرار.

ونحن اليوم نعيش في عالم الفرضيات والتجارب حتى أن العلم أوجد ما يسمى "فئران التجارب"، وهي تلك الفئران التي يتم استخدامها في المختبرات لفحص تأثير الأدوية ونجاعتها وأحيانا يتم استخدامها لغرض تجريب أساليب تربوية قبل نقلها إلى الإنسان، ولعل أخطر ما في العقل التجريبي المعاصر أنه لم يتورع عن استخدام البشر ليكونوا فئران تجارب لأنواع من السلاح وغيرها، وذلك بهدف الوصول إلى الحقيقة والنتيجة التي يريدها الإنسان.


ولعل الأمة الإسلامية تملك أكبر مخزون من التجارب يمكنها من التعرف على أنماط سلوك وتفكير البشر ومصائر الناس بناء على المقدمات الموجودة، فلدينا في القرآن الكريم تلخيص رائع جدا مع تعقيبات ربانية لمصائر الأمم السابقة سواء من آمن ومن كفر، وأعظم من ذلك أن الله تعالى يبين لنا مستقبل الناس في الدنيا والآخرة بناء على أفعالهم الصادرة عنهم اليوم.

لقد نقل لنا القرآن الكريم تجارب الأقوام السابقة ومصيرهم فهو يخبرنا عن أثر الإيمان في نجاة الأمم من الهلاك والعذاب، كما يخبرنا عن إهلاك المكذبين لرسلهم، يحدثنا القرآن عن الشقاق والاختلاف بين أهل الكفر بعد اذ اجتمعوا واتفقوا في الصد عن سبيل الله، كما يحدثنا القرآن عن مشاعر أهل الإيمان ومودتهم لبعضهم البعض، وينقل لنا القرآن الكريم خلاصة تجربة البشرية كلها بعد رحلة الدنيا كلها، (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) الشورى 7، بل يلخص لنا القرآن مشاهد تجربة الكفار وهم يصطرخون في النار لهول العذاب وينقل لنا مشاهد نعيم المؤمنين في الجنان وكأننا ننظر إلى كل فريق ونراه راي العين.

إن هذا المخزون العظيم من التجارب الإنسانية التي لخصها لنا القرآن في الماضي وفي المستقبل يجب أن تفجر في الأمة جوانب الإبداع، فكل ما نحتاجه لبناء واقع براق وتصميم مستقبل مشرق موجود بين أيدينا، فما لنا نتخبط في نفس المستنقع ونلدغ قلوبنا وارواحنا من نفس الجحر ملايين المرات دونما وقفة اعتبار او تفكر، والأدهى أننا نورث هذا التخبط لأبنائنا ليكملوا "مشروع التخبط" من غير نقاط على الحروف، أما يجدر بنا أن نتعلم من تجاربنا على الأقل ومما مر علينا من النكبات بسبب سوء قراءتنا للواقع والمستقبل، أما يكفينا أنهار الدماء التي جرت في بلادنا، أيها المسلمون أيها العقلاء جربنا وسائل كثيرة للإصلاح وكلها أثبتت فشلها، فهل نحاول اليوم أن نغير أسلوب تفكيرنا وتعاطينا مع الأحداث لعلنا نحقق واقعا أفضل ونصمم مستقبلا مشرقا مشرفا بأنوار الإيمان والفهم الصحيح لتجارب البشرية كلها التي حبانا الله بها في كتابه.