كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة


صناعة العقول: التحليق في الفضاء


طرقنا في مقالات سابقة مصطلح "صناعة العقول"، وهو مصطلح يشير إلى أهمية إعادة صياغة أساليب التفكير ودراسة الأولويات في حياة الفرد والمجتمع، واليوم نتناول هذا المصطلح من زاوية خطيرة في حياة الفرد والأمة بل والإنسانية جمعاء، فموقف رجل واحد أو جماعة من الناس قد ينعكس على الإنسانية كلها، فالأنبياء على سبيل المثال كانوا أفرادا في مجتمعاتهم ولكن دعوتهم ومبادئهم انعكست وأثرت في صياغة العقلية الإنسانية كلها. 
جاء الإسلام إلى البشرية فوجد الناس في الجزيرة العربية يجعلون الحياة مدار اهتمامهم فلها يعملون ومن أجلها يقاتلون وفي سبيلها يحبون ويكرهون، بل سخّروا من أجلها عقولهم وإبداعهم الفكري سواء كان نثرا أو شعرا، فخطبهم في الجاهلية كانت مفاخرة بالأحساب والأنساب واشعارهم بل حتى المعلقات وهي أرقى الشعر العربي لم تخرج عن حيز المفاخرة بالشجاعة والقتال وجمال الصحراء أو جمال الحصان ورقة المرأة وعذوبة الخمر، حتى أنهم جعلوا التدين والعبادة جزءا من لعبة الحياة فجعلوا لكل قبيلة إلها وربا تفاخر به وتنافح عنهم ونصبت له بيتا يعظمونه دون غيرهم من الناس.

فجاء الإسلام ودعا الناس أول ما دعاهم إلى التفكر في أنفسهم مم وكيف خلقت، وما مصيرها بعد الموت، ودعاهم إلى إعمال العقول والقلوب للتدبر والتفكر في عظمة هذا الكون وإبداع صنعه الذي لا يمكن إلا أن يكون من صنع العليم الخبير: (فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب) الطارق/5-7، بل إن القرآن الكريم ناقش العرب في شأن آلهتهم التي يعبدون من دون الله ليبين لهم بالدليل العقلي والمنطقي أن هذه الآلهة لا تعدو أن تكون حجارة لا تغني عن نفسها شيئا فضلا عمن يعبدها، ويأتي ذلك لإعلاء شأن الإنسان ودوره الحضاري ومسؤوليته في الرقي بنفسه ومجتمعه.

والنبي صلى الله عليه وسلم اهتم برفع شأن الإنسان في تعامله مع أصحابه، بل إنه علمهم احترام مكانة بعضهم البعض والصفح عن الأخطاء والبحث عن الحسنات وقبول عذر المعتذر والعفو عن المسيء وأعلى صلى الله عليه وسلم شأن العلم والمعرفة بل وأذكى في أصحابه حب العلم والمعرفة والبحث لما لها من أثر في حياة الفرد والأمة، ففي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلَك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لَتضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالِمَ ليستغفرُ له مَنْ في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتانُ في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما وَرثوا العلم، فمن أخَذه أخَذ بحظ وافر).
وعلى مدار تاريخ عظمة الأمة وعلو شأنها كنا نرى أثر العلماء والمفكرين ودورهم في قيادة المجتمع وتوجيهه، بينما نرى في فترات الضعف انحسار دور العلم والمعرفة والبحث عن توجيه الأمة وانشغال الأمراء والولاة بالترف والبذخ على حساب العلم والمعرفة والبحث.

عاش الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان غاية ما يعدهم به جنة عرضها السموات والأرض بل ودعاهم الى التنافس عليها لما لذلك من أثر في صياغة الشخصية وفتح التنافس البناء بين الناس، بدل التنافس الضيق على الدنيا الذي يدمر النفوس ويهدم الإبداع، لذا ونحن نعيش في في عصر الطفرة التكنولوجية غير المسبوقة في تاريخ البشرية والتي اصبح العالم فيها أكثر واقرب من قرية واحدة، فقد تيسرت سبل التواصل بين البشر في أقطار الأرض، واصبح بمقدور الإنسان أن يتحكم في العالم كله من جهازه الشخصي الصغير، وكم رأينا من فتن وشجارات وسفك للدماء سببها هذه الأجهزة الحكيمة التي أمسكتها القلوب والأيدي الخبيثة، فإن فرض الساعة على الأمة أن تربي أبناءها ليحلقوا في سماء المعرفة والبحث العقلي الذي ينير الطريق للسائرين ويفتح سبل بناء المستقبل للأمة والإنسانية كلها، مع سياحة القلوب والأروح في جنة عرضها السموات والأرض، حتى لا يطغى جانب على جانب وتستقيم لنا دنيانا وآخرتنا بإذن الله رب العالمين.