كنوز نت - د. منعم حدّاد


بين المؤلف وبين النصّ!


يرى بعض الباحثين والنقّاد وأساتذة الأدب أن ثمّ مناهج أدبية معيّنة تحكم العلاقة بين المؤلّف وبين النصّ الذي يؤلّفه، فالبعض يرى أنّ النصّ لا يعدو كونه مرآة تعكس ما يدور في خلد المؤلف وفي فكره، ولا مندوحة من تطبيق ذلك عملياً، إذ يجب دراسة النصّ بناء على تفاصيل حياتية وفكرية للمؤلف، لأن النصّ ما جاء إلا ليخرج هذه الأفكار إلى النور بشكل ما من أشكال التعبير والأشكال الأدبية المختلفة. 

وهذا الرأي مبالغ فيه جدّاً، ويبدو بعيداً إلى أبعد الحدود عن الواقع، وصحيح أن المؤلف يكتب ما يكتب من وجهة نظره هو، لكن الذي يريد أن يوثّق لأفكاره وأخباره وذكرياته هو فالوسيلة لذلك هي المذكرات أو السيرة الذاتية!

أما الذين يبحثون في كلّ نصّ يقرأونه عن تفاصيل حياتية للمؤلف فإنهم بذلك يتجاوزون كلّ ما هو معقول ومنطقيّ ويسيرون بعيداً عن الحقيقة والواقع!
نعم، قد يحدث صدفة، مجرد صدفة أن نجد تطابقاً معيناً أحياناً بين ما جاء في نصّ معين وبين تفاصيل حياتية أو واقعية ولكن هذا في أكثر الأحوال قد يكون من قبيل الصدف ليس إلا!

وثمّة أكثر من دليل على استحالة مطابقة النصّ لمجرى حياة المؤلف، وأكثر من برهان على بطلان هذا الزعم!
فأعظم النصوص الأدبية العالمية التي تعتبر مثالاً ونموذجاً وقدوة لا يمكن أن تعكس حياة المؤلف ولا أن يكون بينها وبين حياة المؤلف أيّة علاقة على الإطلاق!

فهل هوميروس الضرير الذي ألّف الإلياذة والأوذيسة – وهما قمّة الإبداع الأدبي الإغريقي والكلاسيكي والعالمي – عاش أحداثهما وواكبها وعاصرها؟
وهل دانتي مؤلف الكوميديا الإلهية التي تعتبر قمّة شامخة من قمم الأدب الكلاسيكي العالمي عاش أحداثها فعلاً؟

وهل زار أبو العلاء المعرّي السماء فعلاً ووصف ما عايشه أو شاهده أو لمسه بنفسه خلال رحلته تلك كما أبدعها في "رسالة الغفران"؟
أليس كلّ الأدبيات المتعلقة بالـ"ماورائيات" والغيبيات والرحلات إلى عوالم أخرى مثل رحلة جلجامش إلى العالم الأسفل لا علاقة تربط بينها وبين حياة مؤلفيها؟

وهل عاش وليم شكسبير أحداث مسرحياته؟
وهل عايش أمير الشعراء أحمد شوقي كليوباترا وقياصرة روما وقمبيز ومجنون ليلى وغيرهم؟

ومن جهة ثانية يميل البعض إلى اعتماد منهج الفصل فصلاً مطلقاً بين النصّ وبين المؤلّف، إذ لا يرون أن ثمة علاقة عضوية بين المؤلف وبين ما كتب، فالمؤلف يكتب واصفاً ما يرى، يصوّر أو يصف أو يروي، وكأنّ ما يكتبه هو مجرد وسيلة أو واسطة لنقل مادة ما رآها أو تأثّر بها إلى القارئ، دون أن تعبّر عن نفسه أو عن ذاته، حتى ولو أعجبته أيّما إعجاب!


وقد يسعى المؤلف في بعض الحالات إلى نقد وضع مزر في نظره، يريد أن يلقي الضوء عليه وأن يلفت النظر إليه ليس لمجرّد النقد من أجل النقد، بل لعلّ الآخرين ينتبهون إليه ويسعون لإصلاح الوضع ولمعالجة المعضلة وتطبيب الداء المزمن والخطير الذي يشير إليه المؤلف دون أن تكون له علاقة قريبة أو بعيدة به، وفي هذه الحالة يكتفي المؤلف بتشخيص الداء والإشارة إليه، لعلّ وعسى...!

ومن الجائز جدّاً أن يحاول المؤلف أن يرسم صورة مثالية نموذجية لوضع معين ويحاول أن يشير إليه ولو من طرف خفّي، فهو حين يكتب عن وضع مثالي نموذجي فإنما يهدف إلى إلقاء الضوء عليه ولسان حاله يقول – حتى دون أن يصرح أو يبوح بذلك – ألا مثل هذا فليفعل الفاعلون... وفي هذه الطريق المثلى فليسر السائرون، وهكذا فليعمل العاملون لصالح المجتمع وأبنائه جميعاً!

وحتى في هذه الحالة فليس من مسوّغات للربط بين حياة المؤلف وبين النصّ، إذ قلّما نجد علاقة بينهما، ودور المؤلف في حال كهذا يكون تماماً كدور الطبيب الذي يشير على المريض بدواء ما، أو الذي يحاول أن يرشد عابر سبيل إلى الطريق الصحيح الذي يحسن به أن يسلكه لكي يصل إلى هدفه ويبلغ مبتغاه!

ومن الممكن والمحتمل أن تتشابه وحتى أن تتقاطع بعض تفاصيل حياة المؤلف وبين ما يكتب حتى دون أن يقصد ذلك أو يعنيه، ويكون هذا من قبيل الصدف ليس إلا، فحياة الناس متشابهة إلى حدّ بعيد، وصحيح أننا لن نجد شخصين – ولا حتى توأمين - متشابهين في كلّ شيء، ذلك لأن الأفكار وردود الفعل الإنسانية متشابهة ومتماثلة وتكاد تكون متطابقة في الظروف والأحوال المتشابهة والمتطابقة.

ولا بدّ من التأكيد على أن النصّ الإبداعي ليس توثيقياً في الأكثرية الساحقة من الحالات، ومن يريد التوثيق فإنّه يوثّق ولا يكتب ولا يبدع، والتوثيق شيء والكتابة الإبداعية شيء آخر، مختلف تماماً، ومن يرغب في توثيق تفاصيل حياته فيكتب المذكرات والسيرة الذاتية كما أسلفنا.

أما من يصرّ على البحث في كلّ نصّ يقرأه عن تفاصيل حياة المؤلّف واحدة تلو الأخرى، وعلى الربط دائماً بينهما، فإنّه إمّا يعاني من مشكلة في فهم المقروء، ويحتاج إلى رعاية خاصّة، وإمّا أنّه يتجنى على الحقيقة، وهو يستحقّ الشفقة والعطف والرثاء لحاله، وإمّا أن طيبة قلبه وتعاطفه مع سواه وتضامنه مع غيره تحمله على ذلك، وهو في ذلك جدير بالاحترام وقمين بالتقدير والتوقير ويستحقّ الشكر كلّه...