
كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد
الفولكلوريات الفلسطينية في "الداخل"(3/3)
أما المحور الثالث من "الفولكلوريات الفلسطينية في الداخل" فيدور حول البحث والاهتمام الإسرائيلي/العبري/اليهودي (الإستشراقي) الذي ينشط كثيراً جداً والذي يبادر إليه أفراد ومؤسسات خاصة وعامة وجامعات ويسعى إلى ربط هذا التراث بالماضي التوراتي وإعادته إلى جذوره التي يبحث عنها القائمون بهذه النشاطات...
ويشكّل البحث والاهتمام الإسرائيلي/العبري/اليهودي بالتراث الشعبي الفلسطيني محوراً رئيسياً في الدراسات الأكاديمية الإستشراقية وامتداداً له، والحديث عن الإستشراق يطول.
وما لا بدّ من قوله هو إن التراث الشعبي الفلسطيني يُبحث ويُدرس ويعالج ويناقش بشكل مكثّف وفي كلّ الجامعات والكليات ومعاهد ومؤسسات البحث الإسرائيلية تقريباً، ولكن ليس باسمه المعروف، وإنّما تحت أسماء ومسميات وعناوين أخرى، وبداية هذا الاهتمام قديمة موغلة في القِدم!
ولن نحلّل ونقيّم ونفسّر، وسنكتفي بتقديم مقتطفات توضح أسباب هذا الإهتمام ودوافعه:
باحثون كثيرون "يحاولون الربط بين فلسطين كما تُصوّر في العهد القديم وفلسطين الحديثة، ويدّعون بناء على ذلك أن التراث الشعبي الفلسطيني ليس سوى مرآة تعكس التراث الشعبي اليهودي كما يُصوَّر في العهد القديم"!
ويرى دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء في إسرائيل إن أكثر "المسلمين" في "غرب أرض إسرائيل"(أي فلسطين) يجري في عروقهم دم يهودي!"" وهم الفلاحون اليهود... الذين تنكّروا لدينهم كيلا يفقدوا أرضهم"!
ويسرائيل بلكيند يقول: "وفي أرض إسرائيل نلتقي بقسم لا يُستهان به من أبناء شعبنا الذين توقفوا عن العيش معنا منذ ألف وخمسمائة سنة، لكنه عظم من عظامنا ولحم من لحمنا!"
واسحق بن تسفي، الرئيس الإسرائيلي الثاني، كتب: "نحن محاطون اليوم بدول معادية، تمتد على مساحة تبلغ مائتي ضعف من مساحة دولتنا، ويبلغ تعداد سكانها خمسة وعشرين ضعفاً من سكاننا، ولا تتوقّف حكوماتها عن تهديد كياننا، ولمعرفة الماضي العربي القريب في بلادنا أهمية خاصّة إذن، ومن أجل التعرّف على حاضر جيراننا هؤلاء أيضاً"!
وجاء في إحدى نشرات الوكالة اليهودية ومنذ عهد الانتداب: "أسس تطوّر تاريخ الشعب الإسرائيلي السامي تفترض بحث جميع ما يتعلّق بفلسطين وبالآداب والثقافات القديمة التي نمت وازدهرت في جزيرة العرب ووادي النيل والرافدين والأندلس وغيرها، وبديهي أنّه يتعذّر سبر غور اللغة العبرية واكتشاف مميزاتها الخاصة وأسسها الأصلية دون التعرّف على اللغات السامية الأخرى، ومقارنتها بها، والوقوف على وجوه الشبه بينها، كما أنّه يتعذّر بحث تطوّر اللغة العبرية إبان القرون الوسطى ما لم تؤخذ بنظر الاعتبار العلاقات التي توثّقت بينها وبين اللغة العربية وآدابها في بلاد الأندلس..."
وبيرغمان، باحث فولكلور يهودي يقول: "شعوب الشرق بوجه عام محافظة في عاداتها، لذا من الممكن التعلم حتى من عاداتهم المتبعة الآن عن عادات إسرائيل في العصور الخوالي"!
ويؤلف يوسف ميوحاس كتاباً عن الفلاحين الفلسطينيين ويقول إنه يعتقد أن "حياة الفلاحين (الفلسطينيين) تستطيع أن تقدّم تفسيراً حيّاً للكتاب المقدّس" ويورد قولاً للباحث الإنجليزي ماك لاستر يقول فيه: "كلّ من يريد أن يفهم الكتاب المقدّس – ليتعرّف على حياة الفلاحين الذين في أرض إسرائيل" (!!!)، ويقتطف قولاً لباحث آخر يُدعى ويلسون يقول فيه:" إذا رغب اليهود المعاصرون في التعرّف على أنفسهم، أي على حياتهم التقليدية القديمة وعلى خصالهم وصفاتهم، فليتوجّهوا إلى الفلاحين سكان أرض إسرائيل"!
ويقول سطافسكي في كتابه عن القرية العربية: "هدف الكتاب أن يصف وصفاً شاملاً حياة القرية العربية في البلاد (والتي تشبه كثيراً حياة آبائنا في الحقب الخوالي").
أما دوافع الاهتمام العبري بالتراث العربي فيجملها أحمد علي مرسي في كتابه "الفولكلور والإسرائيليات " بما يلي:
1. "إن المأثورات الشعبية أو الفولكلور الخاص بمنطقة الشرق الأوسط متشابه أو متماثل – إذا شئنا الدقّة في التعبير – على الرغم من تعدّد أصول شعوب المنطقة وتنوّع لغاتها واختلاف عاداتها وتقاليدها.
2. إن كثيراً من مظاهر الحياة الشعبية العربية من ناحية اللغة أو السلوك أو غيرهما إنّما تعود إلى أصول عبرية أو منابع يهودية قديمة.
3. تغيير بعض الفكر التي لصقت باليهود طوال تاريخهم، وأسهمت في تشويه صورتهم أمام غيرهم من الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها".
وتهدف هذه الدراسات كما حدّد معالمهما ووضع أسسها ستيث تومبسون منذ خمسين عاماً إلى ما يلي:
1. "أيّ من التراث الشفوي من أيام الملك سليمان أو من فترة المكابيين ما زال شائعاً في إسرائيل، وفي ذاكرة شعب إسرائيل، بعد مضي ألفي سنة أو ثلاثة آلاف سنة؟
2. هل توجد أسس مشتركة تميّز الفولكلور(اليهودي) غير المحافظ (الدنيوي) لدى المجتمعات اليهودية في أوروبا وأميركا عن فولكلور المجتمعات المجاورة التي تعايشوا معها أو احتكّوا بها؟
3. هل يوجد أساس يهودي مشترك ومميّز لكلّ طوائف إسرائيل؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب – فهل يستقي هذا الفولكلور من المصادر اليهودية القديمة؟"
وسنختم حديثنا بالإشارة إلى "تصريح" من باحث فولكلور يهودي عن سبب عدم الاهتمام بالتراث الفلسطيني في الدخل، والباحث يدعى عيلي ياسيف، وهو أستاذ بجامعة تل أبيب، ومن مفارقات الصدف أن تكلّفه كلية جفعات حبيبة (التقدمية"!) بالتقديم لإحدى مجموعاتها القصصية التي جرى جمع موادّها من وادي عارة، وهو أول باحث إسرائيلي يقولها صراحة لماذا لا ينال التراث الفلسطيني حقّه من الاهتمام، وممّا يقوله في التقديم:
"إحدى نقاط الضعف الرئيسية في البحث الفولكلوري في إسرائيل منذ بدايته الممأسسة في الخمسينيات (من القرن الماضي) هي تجاهله للفولكلور العربي- الفلسطيني، اتّجاهات البحث الرئيسية الذي بدأ قبل قيام الدولة كان إثبات علاقة الحضارة/الثقافة الشعبية اليهودية التي جُلبت من المهجر إلى الكتاب المقدّس و"أدب الحكماء" (مؤلفات حكماء اليهود الكلاسيكية خلال العصور – م.ح.) ، وجمع فولكلور طوائف إسرائيل (أي الطوائف اليهودية - م.ح.) التي أخذت تجتمع في تلك السنوات في إسرائيل..."
ويضيف:"... ولم يكن مكان لبحث الفولكلور العربي، بل على العكس، فمن الجائز أن يتعارض مع الادّعاءات التاريخية التي للحركة الصهيونية للسيطرة (على فلسطين)، ولذا فقد أُهمل، وليس بسبب عدم أهميته العلمية..."
وما زال التراث الفلسطيني في الداخل – كما في الشتات – لم يحظ بعد بالاهتمام الذي يستحقه لجمعه وتوثيقه تمهيداً لدراسته الشاملة والعميقة.
بيبليوغرافيا مختارة
1. حسب معلومات من عدة مصادر
2. المثل الشعبي بين المتحفية والاستمرارية، د.م. 1996
3. نائلة لبس: أغانينا النصراوية
4. نبيلة ابراهيم: الدراسات الشعبية بين النظرية والتطبيق، دار المريخ للنشر،الرياض1985.
5. שלום אטינגר: הציונות,הבעייה הערבית והמנדאט הבריטי,הוצאת קרני,תל אביב 1987
6. יצחק בן-צבי:ארץ ישראל ויישובה בימי השלטון העותומאני,מוסד ביאליק,ירושלים תשט"ו
7. نشرات الوكالة اليهودية:"نبذة عن المستشرقين اليهود في فلسطين وأبحاثهم في الشرق الإسلامي"، نشرة رقم 21، القدس،فبراير 1947
8. יהודה ברגמן: הפולקלור היהודי, ללא תאריך, חמ"ד
9. יוסף מיוחס: הפלחים, הוצאת דביר,ירושלים תרצ"ז
10. משה סטבסקי:הכפר הערבי,פרקי הווי,הוצאת עם עובד,תל-אביב תש"ו
11. مجلة "الشرق" (التي كانت تصدر في القدس)، السنة السادسة،الأعداد 1-4،حزيران-أيلول 1975، الصفحات 13 – 19
12. أحمد علي مرسي: الفولكلور والإسرائيليات،
13. دوف نوي: "تدوين القصص الشعبية" مترجم في مجلة "الشرق" (التي كانت تصدر في القدس)، السنة السادسة،الأعداد 1-4،حزيران-أيلول 1975
14. יורם מירון, כרמלה שחאדה,נמר מסארווה: גרגר הרימון,גבעת חביבה 1997
28/04/2020 03:10 pm 5,018
.jpg)
.jpg)