كنوز نت - د. منعم حدّاد



الفولكلوريات الفلسطينية في "الداخل"(2/3)


ويتمحور المحور الثاني من "الفولكلوريات الفلسطينية في الداخل" حول البحث والاهتمام الذي يجري على الصعيد الرسمي وتبادر إليه السلطات ذات العلاقة وبشكل خاص وزارة المعارف والثقافة وعدم الاستجابة للطلبات المتكرّرة لتدريس التراث الشعبي الفلسطيني والموافقة – في أكثر الحالات – على الاهتمام بما لا يمثل هذا التراث تمثيلاً صحيحاً وحقيقياً وعدم التركيز على ما يبرزه على حقيقته بشكل موضوعي، وموقف بعض باحثي التراث الإسرائيليين من ذلك. 

ومنذ سنوات طويلة ويتوجّه الكثيرون إلى وزارة المعارف والثقافة طالبين تخصيص الموارد اللازمة لتدريس التراث الشعبي العربي والاهتمام به كما يجري الاهتمام بتراث يهود الشرق أو بالتراث الدرزي أو بالتراث البدوي!

فمنذ أواسط سبعينيات القرن الماضي وكما يبدو كردّ فعل على تكريس الحضارة الغربية الأشكنازية في إسرائيل وفوقية هذه الحضارة، بادر بعض اليهود الشرقيين وبخاصة نخبة من الأكاديميين اليهود الشرقيين الذين لمسوا تغييب تراثهم الأصيل إلى المطالبة بتدريس تراث يهود الشرق والاهتمام به، وذلك بإثارة الموضوع في البرلمان الإسرائيلي بادئ ذي بدء، ومن ثم في بقية المؤسسات ذات العلاقة!
وبالفعل فقد تمّت الموافقة على الاهتمام بتراث يهود الشرق، ورصد الميزانيات اللازمة له، والذي لا يعدو كونه في غالبيته الساحقة وعلى الصعيد الدنيوي العلماني أو اللا- ديني تراثاً عربياً وإسلامياً عريقاً!

ورافق ذلك أو تبعه في أواخر السبعينيات من القرن الماضي تكريس الموارد للاهتمام بالتراث الدرزي أيضاً، على اعتبار أنه تراث خاصّ ومميّز، وعلى إبراز تميّزه وتفرّده واختلافه عن سواه، بينما وعلى الصعيد الدنيوي العلماني اللا - ديني لا يعدو في أكثره كونه تراثاً عربياً فلسطينياً!

وفي وقت لاحق بدأ كذلك الاهتمام بالتراث البدوي، وحتى أنّه كانت هناك محاولات للبدء بالاهتمام بالتراث المسيحي... ليتمّ تجزئة التراث الواحد إلى عدة "تراثات"، تماماً كما يجري التعامل مع الشعب الواحد على أنه عدة مجموعات إثنية أو دينية أو سواها، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع!
وسمحت المعارف أو قُلْ تغاضى بعض المفتشين عن بعض نشاطات يتيمة في مجال التراث الشعبي الفلسطيني عُقدت في المدارس المختلفة، كعقد أيام تراث شعبي، لكنها لم تكن بأي حال من الأحوال ذات طابع تراثي جدّي أو جادّ، وتركّزت حول مواضيع لا تمثّل التراث بالشكل الصحيح، وشملت مضامينها على الغالب بعض الأغاني والسحجات والدبكات وعرض أدوات منزلية مختلفة، لا يربط الكثير منها بالتراث أيّ رابط وثيق!

وحاولنا من خلال مركز إحياء التراث الفلسطيني في الطيبة، في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي المبادرة لتدريس التراث الشعبي الفلسطيني، وقد قمنا بإعداد منهاج مفصّل لتدريس التراث الشعبي، وقام المركز بالتكفّل بتغطية نفقات تدريس هذا التراث، وأرسلنا الموادّ إلى كلّ المدارس الثانوية العربية آنذاك، وتلقى المركز ردّاً من مدرستين أو ثلاث مدارس، يطلب فيها مرسلوها موافقة وزارة المعارف على تدريس الموضوع قبل أيّ شيء آخر، لأنه وبدون موافقة المدارس لن يدرسوا التراث!
ونحن ألقينا بدلونا بين الدلاء...

ففي أواسط التسعينيات من القرن الماضي وبعد اتّفاقيات أوسلو، توجّهت إلى جميع أعضاء الكنيست العرب، وإلى محرري الصحف العربية الرئيسية آنذاك، وإلى كافة اللجان التي تمثّل الوسط العربي، وإلى وزارة المعارف والثقافة، طالباً إدراج تدريس التراث والحضارة ضمن مواضيع التدريس!
وعندما سئلت عن ذلك قلت لهم: ها هم أعداء الأمس أصدقاء اليوم، ها هو أبو عمار، طيّب الله ثراه، يصافح المرحوم اسحق رابين، فهل ما زلتم لا تسمحون للفلسطينيين في الداخل برعاية تراثهم وتدريسه لأولادهم؟

وكانت المفاجأة الكبرى من ... النواب العرب، آنذاك، إذ لم يردّ أحد منهم على الرسائل المسجّلة الموجّهة إليه، وقام واحد منهم بإصدار بيان صحفي عمّمه على الصحفيين العرب يبيّن فيه أهمية الموضوع، دون أن يصل إلى أي مسؤول... وهاجمني آخرون منهم بادّعاء أن هذه هي مهمّتهم هم ومن سمح(!) لي بأخذ زمام المبادرة بهذا الشأن؟ ومحررو الصحف لم يردّ أحد منهم سوى أحدهم الذي ردّ مؤكداً تسلّم رسالتي ليس إلا، أما ما كان يعرف بـ"المجلس الاستشاري لشؤون التعليم العربي" الذي كان قائماً يومذاك فأيد الفكرة في ردّ أرسله إليّ ولم يتوجّه إلى الوزارة، أما اللجان التي تمثل الوسط العربي "فليس عند قريشها خبر"، أللهم سوى اتّصال هاتفي من أحد مسؤوليها، عاتبني فيه على التوجّه لهم قائلاً: "واحنا شو بيفهّمنا بهيك مواضيع"! فأعجبني جوابه واكتفيت به "وكفى الله المؤمنين شرّ القتال"!

وفاجأني مدير وزارة المعارف آنذاك، الدكتور شمشون شوشاني، الذي كتب لي جملة واحدة قال فيها ما معناه: إذا كان المقصود إنشاء وحدات جديدة في الوزارة فلا مجال لذلك في الوقت الحاضر لأسباب مالية، أما إذا لم تكن ضرورة لذلك فثمة ما يمكن أن نتحدّث عليه"...
وأتبع رسالته بدعوة لاجتماع معه، طرحت فيه الفكرة، فوعدني بدراستها بجّديّة...

وبعد أسابيع قليلة دعيت إلى قسم المناهج الدراسية، وكلفت بإعداد ورقة عمل، ثم مسوّدة منهاج دراسي للموضع الحضارة والتراث للمدارس العربية!

وأنجزت العمل بسرعة البرق وقدّمته إلى المسؤولين، وراحت طواحين المسؤولية تدور ببطء شديد، اجتماع يلي اجتماعاً يلي اجتماعاً، وواجهت يومها البيروقراطية في أدقّ مظاهرها...

وبعد فترة تقرر تشكيل لجنة لدراسة مسودة المنهاج ومناقشتها وإقرارها، وأخذت اللجنة تكبر ويزداد عدد أعضائها يوماً بعد يوم، حتى جاوز عددهم الخمسة والعشرين عضواً!

وقمت بإجراء الاتّصالات مع جميع أعضاء اللجنة الأفاضل والأجلاء والمحترمين، وكان بينهم رجال دين من كبار رجال الدين، وكان بينهم أكاديميون وأساتذة جامعيون مرموقون، وكان بينهم مفتّشو معارف رئيسيون، ومديرو مدارس ثانوية، وكان بينهم كتّاب وأدباء وشعراء ومبدعون ومثقفون، وكانت اللجنة بتشكيلها الحالي وكأنّها تمثل الفلسطينيين في الداخل أصدق تمثيل...

وتوجست شرّاً من هذا التشكيل، فمقام رجال الدين محفوظ واحترامهم وإجلالهم واجب مقدّس، ومثلهم الأدباء والشعراء والكتاب والمبدعون والمفتشون، وكلّ من هبّ ودبّ، لكن سؤالاً واحداً لم أجد له إجابة شافية حتى اليوم: ما الذي يؤهل هذا الحشد الكريم للقيام بمهمة مناقشة منهاج تدريسي في الحضارة والتراث؟ وما علاقة البعض بهذا الموضوع؟ وهل هي لجنة تشريفات ووجاهات؟
واتّصلت مع جميع الأعضاء، والتأم الشمل في أحد الأيام...
واعتذر من اعتذر، وحضر من حضر...

وبالاختصار، عقدت اللجنة أكثر من خمسين اجتماعاً، استغرق كلّ واحد منها ما بين أربع وخمس ساعات، وذلك خلال ستّ سنوات، ودارت فيها مناقشات حامية الوطيس...
وبعد أخذ وردّ، ونقاش وجدال، وتشكيل طواقم مصغرة ولجان فرعية، وكتابة عشرات البروتوكولات واستضافة "مختصّين" كثيرين، اتّفقت اللجنة على نصّ معيّن للمنهاج المقترح، تضمّن بعض ما لا يجب أن يتضمّنه، إكراماً لعيون هذا العضو أو عيون ذاك، لكن القسم الأكبر من المنهاج نال ثقة أكثرية أعضاء اللجنة الذين واظبوا على الاشتراك في الاجتماعات...

وطرنا فرحاً عندما أُنجز المنهاج، وقدّمناه إلى المسؤولين، وسرعان ما طُلب منّا ... ترجمته إلى اللغة العبرية...!
توجّسنا شرّاً مرّة أخرى، وقلنا: من حقّ المسؤولين الاطّلاع على منهاج سيدرس في المدارس الرسمية، وسارعنا نترجمه ونقدّمه بنسختين: عربية وعبرية!

وتوالت الاجتماعات لمناقشة المنهاج، وتمّ الاعتراض على الجانب المهني، التعليمي، من حيث أسلوب ترتيب المادة وتقديمها للتلاميذ!
وأعربنا عن موقفنا المرحّب بكلّ تعديل إيجابي، وتعاوننا مع نخبة من أفضل ذوي الخبرة في هذا المجال، لمعاودة صقل وتنسيق المواد بالشكل المطلوب...
وقدّمنا المنهاج مرّة أخرى للموافقة عليه، وعقدت جلسات وجلسات، وبرزت اعتراضات من نوع آخر هذه المرّة: كانت هذه اعتراضات على المضامين!
واستغربنا وأعربنا عن دهشتنا، وتساءلنا عن مدى أهلية المعترضين لمثل هذا الاعتراض، وعن مدى معرفتهم بالحضارة العربية - الإسلامية والتراث العربي، وهل يملك هؤلاء ناصية الأمور إلى المدى الذي يؤهلهم للنقض والاعتراض؟

وحوّل النقاش إلى مواضع أخرى... وكالعادة، حاول بعض "الوطنجية" (حتى من بين أعضاء اللجنة أنفسهم) الدسّ والنميمة وتصوير الخلاف على مضامين المنهاج وكأنه خلاف على "المقابل المادي"، فكتبنا لكلّ من له علاقة بالأمر معربين عن استعدادنا إنهاء العمل حتى بدون أي مقابل مادّيّ، وبشرط واحد فقط: هو عدم تدخّل من ليس مؤهلاً للتدخّل في المضامين، وأردفنا: اعرضوا الموادّ على أساتذة جامعيين أو باحثين مختصّين ونحن نقبل أن نحتكم إلى هؤلاء، وليس إلى موظفين لا يفقهون من الحضارة والتراث الكثير!