كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


الفولكلوريات الفلسطينية في "الداخل"(1/3)


عندما نتطرق إلى موضوع الفولكلوريات الفلسطينية في الداخل لا بدّ بادئ ذي بدء من تحديد أبعاد الموضوع. 
وصحيح أن الفلسطينيين ليسوا بحاجة إلى تعريف، لكننا عندما نريد التحدّث عن الفولكلوريات الفلسطينية في "الداخل" فإننا نقصد بذلك أولئك الفلسطينيين الذين يعيشون على أرضهم وفي بيوتهم في داخل إسرائيل، ويبلغ عددهم ما يقترب وبسرعة من المليوني إنسان .

وما نعنيه بالفولكلوريات هو البحث العلمي الأكاديمي والجادّ في مجال الدراسات الفولكلورية والتراثية المختلفة، على امتداد العقود السبعة الأخيرة.
ويتركّز البحث في ثلاثة محاور رئيسية، وفي أبرز أهداف ودوافع وسمات وصفات وخصائص ومعالم كلّ واحد من هذه المحاور الثلاثة وفي حصيلتها، والمحور الأول يتعلّق بالبحث والاهتمام الذي يقوم به أفراد ومؤسسات عربية فلسطينية (في الداخل) بشكل خاص وغير رسمي وحصيلة ودوافع هذا البحث والاهتمام والتي تتلخّص في الرغبة الصادقة والأكيدة لتوثيق التراث وإحيائه واستحضار الماضي التراثي الفلسطيني في محاولة لتوريثه للأجيال القادمة.
فعلى هذا الصعيد أو المحور نستطيع أن نشير إلى عدد قليل جدّاً ومحدود جدّاً من الدراسات والبحوث الجادّة في مجال التراث الشعبي الفلسطيني، وقدّمت أكثر هذه الأبحاث ضمن الدراسة الجامعية في الجامعات والكليات المختلفة.

وما يمّيز أكثر هذه الدراسات والبحوث أنها لم تُقدّم على اعتبار أنها أبحاث ودراسات فولكلورية، وإنما كوسيلة لدراسة اللغة العامية أو إحدى اللهجات، أو في نطاق دوائر دراسية غير التراث وغير الفولكلور، مثل اللغات أو الأدب، أو العمل الإجتماعي، أو الجغرافيا، أو التاريخ، أو التربية.
يضاف إلى هذه الدراسات عدد محدود من الدراسات والبحوث التي بادر إليها أشخاص ومؤسسات تهتم بالفولكلور الفلسطيني، ويشكو الكثير من هذه الدراسات والنشاطات من فهم غير دقيق للتراث ومن الارتجالية والسطحية والضحالة، وانعدام الخبرات الأساسية الضرورية.

كما يشوب بعض هذه النشاطات أحياناً التمثّل بالآخر والجري وراء الكسب المادي والتتجير وتطغى عليها الأهداف والأطماع التجارية.
وتمتاز بأنها في أكثرها ضحلة وارتجالية وغير جدية ولا جادّة، فهي حماس منقطع النظير للفولكلور أو لغير الفولكلور، قام به أناس لم يؤهلوا أنفسهم للقيام بهذه المهمة التي تتطلب إعداداً وتأهيلاً سابقين، ولا يتعاملون مع البحث الفولكلوري بالشكل الجدّيّ المطلوب، والأمثلة على ذلك كثيرة!
وربما كانت دوافع هؤلاء الباحثين والدارسين (إن صحّت التسمية!) حرص شديد على توثيق التراث الفلسطيني ومحاولة إحيائه، وقد تكون الدوافع تجارية محض، فعندما يصبح للخبز قومية وللبنة دين وللزعتر هوية لتسهيل تسويقه والترويج له فلا نستغرب شيئاً!

ولو أخذنا على سبيل المثال كتاب "المثل الشعبي بين المتحفية والاستمرارية" نرى أن مؤلفيه الأستاذين رزق الله عطالله وشكري عراف يقولان في المقدمة (صفحة 4):"أن الأمثال خلاصة تجربة الشعب بمختلف طبقاته، فهي وليدة إبداع الشعب بأسره من خلال الخبرة والفترة التاريخية التي اضطرته (أي اضطرّت الشعب) إلى قول المثل"!

فالأمثال إذن هي "وليدة إبداع الشعب"، أما المثل الأول الذي يورده هذا الكتاب الضخم من حيث الكم فهو:

" أعلّل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
للطغرائي..."

أي أن المؤلفَيْن يوردان بعد المثل مباشرة اسم مؤلفه، بينما المثل الشعبي يبدعه الشعب، فهل الطغرائي هو الشعب الذي أبدع هذا المثل؟
وفي الصفحة 614 مثلاً يوردان شعراً لأبي نواس، فهل أبو نواس – رغم مكانته السامية - هو الشعب بكامله؟ وليس هذين المثلين بوحيدين في هذا الكتاب!


أما في مجال الأغاني فإذا أشرنا إلى كتاب "أغانينا النصراوية" لنائلة لبّس، فلا بدّ من السؤال: هل يمكن اعتبار هذه الأغاني "نصراوية؟ وهل أجرت السيدة نائلة لبّس بحثاً شاملاً استنبطت فيه الصفات النصراوية التي لا بدّ من توفّرها في الأغنية ليمكن اعتبارها أغنية نصراوية؟ وهل أغنية "يا مال الشام" هي أغنية نصراوية؟ وهل تتوفّر فيها السمات والعناصر النصراوية؟ وكيف وبم يمكن البرهنة على "نصراويتها"؟

أما كتاب "من الأغاني النسائية الشعبية وقول الستّ بدرية" فيثير مشكلة أكثر تعقيداً، فها هو اسم الكتاب يحمل التناقض الصارخ بين جنبيه، فالكتاب أغان نسائية شعبية، وقول الستّ بدرية، فهل قول الست بدرية شعبي؟ أم ماذا؟

قلنا إن أحد شروط الفولكلورية أو الشعبية في البحث الفولكلوري هو الجهل بالمؤلف، فأي جهل هو هذا الذي يقول إن الكتاب هو قول الستّ بدرية؟
ثم ما هو القول ومن هو "القوال"؟

وبمنأى عن الكتب المشار إليها نقول وللأسف إنه كاد يصبح في أيامنا هذه كلّ طبّال موسيقاراً، وكلّ منشّزة أم كلثوم، وكلّ من يفكّ الحرف باحثاً مبدعاً...
* * *

وثمّ باحثون كثيرون يخلطون بين العامّيّ والمحكيّ وبين التراثي والفولكلوري، فالتراثي الشعبي هو ما كان مجهول المؤلف، وصمد على مرّ الزمان وكرّه، والفولكلوري مثله من حيث البعد التاريخي، فلا بدّ من أن تمرّ عليه حقبة من الزمان قد تصل إلى ستين أو سبعين عاماً على الأقلّ لتثبت فولكلوريته، كما لا بدّ من اعتراف مجتمع بأسره (أو على الأقل بغالبيته) به، ليمكن اعتباره فولكلوراً...
أما أن نصنّف كلّ ما هو عاميّ على اعتبار أنه تراث وفولكلور، فتلك مصيبة...

وأكثر ما يقوم به كثيرون من فلسطينيي الداخل هو المهرجانات والمؤتمرات والنشاطات والفعاليات التراثية الفولكلورية...
فما تكاد تنام إلا على أخبار مهرجان تراثي، أو تستيقظ على أخبار مؤتمر تراثي، أو على نشاط فولكلوري رائد وفريد...

ولو تابعنا هذه النشاطات عن كثب، لوجدنا أن الكثير منها لا يحمل من التراث والفولكلور غير الاسم، لأنه صار بعض من جمع بعض الخردة والأدوات القديمة – حتى ولو كانت من صناعة ألمانية أو كندية – يعلن عن تنظيم معرض تراثي فلسطيني!
وليس غريباً أن تلقى قيم الحضارة المادية هذه تشجيعاً على الإقبال عليها لأنها تجارة مجزية أكثر من الفولكلور ومن العادات والتقاليد، ناهيك عن أنّها تقول بلغة غير مباشرة للفلسطينيين بلسان من لا يجلّون هذا "التراث":

"اضحكوا بعبّكو... شوفوا كيف اجدادكو عاشوا وشوفو كيف انتو عايشين"!

والبعض من هذه النشاطات و"المتاحف" والمعارض والمهرجانات والمؤتمرات لا تعدو كونها وسيلة للتكسّب والارتزاق عن طريق ما تؤمّنه للمبادرين إليها من مكاسب ومكافآت مادّية مجزية، يحصلون عليها لقاء إقامتها ممّن يملكون المال والقرار.