كنوز نت - هآرتس :  جرائم قتل النساء الأخيرة، تكتب الباحثة جسيكا نفو

قتل على خلفية كورونا


كورونا: قتل النساء مشكلة سياسّة تتطلّب حلًا سياسيًا لا تشخيصًا نفسانيًّا. צילום: מוטי מילרוד

قتل على خلفية كورونا



ذكّرتني جريمة القتل التي حدثت في هود هشارون وتغطيتها الإعلاميّة التي تمحورت بدوافع القاتل الذي قام بطعن زوجته وبناته، أنّنا بدأنا بعدّ النساء ضحايا العنف الأسريّ فقط بداية عام 1991. حيث قُتلت في تلك السنة في كانون ثاني- شباط وخلال حرب الخليج، 16 امرأة على يد أزواجهن في غضون ثلاثة أسابيع فقط .

نشغلنا في حينه ضمن عملنا في منظّمة "امرأة لامرأة"، المركز النسويّ في حيفا، بإحصاء عدد النساء اللواتي توجّهن هاتفيا لخطوط المساعدة، اللواتي يستطعن المكوث في الملاجئ، المتطوعات اللاتي قد نحتاج إليهن بالإضافة إلى أفراد الشرطة الذين شرحنا لهم خلال دورات توعوية مختلفة أنّ الإغتصاب ليس ذنبا يقع على عاتق النساء. لكنّنا لم نحصِ عدد النساء اللواتي يُقتلن كلّ سنة على يد رجال فقط لأنهن نساء فحسب. عندها، سألنا أنفسنا كم كان عدد النساء اللواتي قُتلن خلال السنة الماضية، تبيّن لنا أنّ عام 1990 حمل نفس عدد جرائم قتل عام 1991. حيث قام 17 رجلًا بقتل زوجاتهنّ، زوجاتهن السابقات أو بناتهنّ أوأخواتهنّ. قد تكون عملية إحصاء العدد هذه، أحيانًا، فِعلًا سياسيًّا. لقد مكّننا هذا العدّ من تأطير الظاهرة كمشكلة حقيقية. ما هي المشكلة؟ يقتل عشرات الرجال كلّ سنة قريباتهم على خلفية ما يسمى "جريمة كراهية ضد النساء"، وذلك بخلاف قتل امرأة خلال سطو مسلح على بنك مثلا. 

عندما توجّهنا إلى الشرطة للتأكدّ من المعطيات، تبيّن لنا أنّ إحصائيات الشرطة لا تعتمد على التقسيم المناسب. وعليه، فلا يمكن معرفة عدد النساء اللواتي قتلن على خلفية جندرية أي كونهن نساء، من بين مجموع النساء المقتولات الكلي في تلك السنة. بمعنى آخر لم نستطع التوصل لعدد حالات القتل التي كان فيها القاتل زوجًا، فردا من العائلة أو حتى قوّادًا.

FEMICIDE، هي كلمة جديدة تبلوّرت في تلك السنوات باللغة الإنجليزيّة، جاءت لتنبهنا إلى أنّ الدافع للقتل متعلّق بهويّة المقتولة الجندرية. لقد رأى مصطلح "جرائم بدافع الكراهية" HATE CRIMES والذي بدأ بالتسلّل إلى تشريعات كثير من دول العالم، جرائم القتل هذه من زاوية عرقية، دينية وقوميّة لا من زاوية جندرية.

لماذا بدأنا العدّ خلال حرب الخليج؟ في تلك الأيام، كنّا جميعًا محبوسين داخل البيوت خائفين من خطر الموت جراء هجوم بيولوجيّ من قِبل قائد قاسٍ. كان على تلك البيوت أن تكون ملجئا من الصواريخ، لكن حدثت فيها جرائم بحق ست نساء قُتلن على يدّ أقرب الرجال إليهنّ.


وكما يحصل عادة من جراء جرائم القتل كلها وخاصة جريمة قتل هود هشارون، انشغل الجميع عام 1991 بمحاولة فكّ رموز دوافع القتلة. كانت أكثر التفسيرات انتشارا في تلك الأيام، تلك التي آدعت أن حرب الخليج كانت الحرب الأولى التي لم يشترك فيها الرجال، وأنّ ذلك تسبب في أذية "الإيجو" الخاص بهم، وعليه كان العنف تجاه زوجاتهم منفذهم الوحيد. أما التفسيرالآخر، فكان عدم آعتياد الرجال على المكوث لساعات طويلة مع زوجاتهم وأطفالهم بالمنازل، وعليه فقد جُن جنونهم.

من خلال تحليل تقارير اخباريّة تناولت جرائم قتل عام 1991، وجدنا أنّها اعتمدت في تفسيرها خلفية وقوع الجريمة بشكل تام على هوية القاتل. أكان فلسطينيّا؟ قادما من إثيوبيا؟ إشكنازيا؟ فإذا كان القاتل من الاتحاد السوفييتي، أشارت التقديرات فورًا إلى أزمة الهجرة، البطالة وتناول الكحول المفرط في أوساط القادمين الجدد. أما إذا كان القاتل إثيوبيا أو فلسطينيا، فتمحور التفسيربعقليّة المجتمع وتقاليده الأبويّة- الذكورية. أمّا فيما يتعلق بالقتلة الإشكناز فأشارت التقديرات فورًا إلى معاناتهم من اضطراب نفسيّ يوجب خضوعهم مباشرة لفحص نفسانيّ (كما في حالة جريمة هود هشارون).

تم قبل 34 عامًا وفي آذار من عام 1976، تنظيم "المحكمة الدوليّة الأولى للجرائم ضد النساء" لأول مرة بمبادرة الباحثات النسويّات، ديانا راسل ونيكول فان دن وُن (Nicole Van Den Ven). كان ذلك الحدث الأوّل من نوعه الذي منح منصّة علنيّة للكشف عن ارتكاب "جرائم ضد النساء" على أنواعها، من عنف خفي إلى الإرهاب العلنيّ.

شارك في ذلك الحدث 2,000 امرأة من 40 دولة، أدلت النساء من خلاله بشهاداته. تناولت هذه الشهادات أشكال قتل النساء المختلفة (FEMICIDE). لأوّل مرّة، كان بالإمكان، من خلال أبحاث وتجارب نساء من العالم بأسره، وضع اليد على الخيط الرفيع الذي يربط بين قتل النساء في القرون الوسطى بتهمة "السحر"، قتل الأرامل في الهند، قتل الطفلات في الصين، وقتل النساء العاملات في الدعارة، الموت نتيجة الختان، والإجهاض غير القانونيّ وغيرها.

يصرّ الخطاب العلاجيّ- القضائيّ المهيّمن، الذي قَولب لغة، فكر وممارسات مؤسّسات إنفاذ القانون والعلاج، على النظر لكل قاتل على أنه حالة منفردة وشخص مضطرب نفسيًا. كما ويصر على النظر لكل مقتولة، على أنها امرأة خائنة، متمرّدة وأنها لم تقم بالهرب من الحيز العنيف بالوقت المناسب. إنّ محاولات فهم ما حدث لمرتكب جريمة هود هشارون وخصوصا محاولة فهم مساهمة زوجته "بدفعه" لارتكاب هذه الجريمة، ما هي إلا آلية إلهاء عن لب القضية. فهي تكرس وتروج للمقولة الوهمية، القاضية بأن هناك ما يُمكن فعله إذا ما تم تشخيص القاتل نفسانيّا وفهم دوافعه. فإذا عرفنا سبب القتل، قد نمنع القتل المستقبلي، وكأن لا علم لمؤسّسات الرفاه الإجتماعي بوضع هذه العائلات مسبقا!

تكمن خطورة حوار"الإلهاء" هذا بقدرته على خلق وهم جماعيّ يؤطر كلّ جريمة قتل على أنها قصة زوج شخصية لا ظاهرة يجب التصدي لها. يمنعنا هذا التأطير من التعامل مع لب العنف الجندريّ، ألا وهو كراهية النساء. علينا أن ندرك بأنّ قتل النساء مشكلة سياسّة تتطلّب حلًا سياسيًا لا تشخيصًا نفسانيًّا.

الكاتبة متخصصة بعلم الإجتماع - ناشطة اجتماعية ومؤسّسة مركز لجان الحقيقة والعدالة الانتقاليّة