كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن



نظرة تأملية في قصيدة الشاعر تميم الأسدي " دُور البَبُّور وكلّ دُور"


الصديق الأستاذ تميم الأسدي الذي ينتمي لجذور الآباء والأجداد في دير الأسد، والقادم من ربوع ناصرة البشارة، ليس زجالًا وحداءً شعبيًا يحيي الأعراس فحسب، بل هو شاعر مجيد وجميل، له صولات وجولات في ميادين وفنون الشعر وموتيفاته المختلفة. إنه يسكن القصيدة، ويغوص في عمق الذاكرة والتراث، مقيمٌ في رؤاه، مجروح في محبته لبسطاء الناس الطيبين، غارق بانتمائه للتاريخ الكنعاني العريق، متألم في عمق إنسانيته، ألم الوعي المعرفي، وألم الحب، وألم واقع البؤس والجهل والتخلف المجتمعي والتزمت الديني، ويحتوي الكون بالدمع، وبالقوة في عالمه الشعري الرؤيوي.

وآخر ما تفتقت به قريحته ومخيلته الشعرية قصيدته " دُور البَبُّور وكلّ دُور "، وهي قصيدة في غاية الروعة والجمالية الفنية، بفكرتها ومغزاها وأبعادها ودلالاتها ولغتها التركيبية وصورها التعبيرية المدهشة المشرقة وبساطة مفرداتها، وفيها يستحضر بابور الغاز الذي لم يعد يستخدم في أيامنا بوجود الغازات واجهزة التسخين الكهربائية المتنوعة، ويعيدنا إلى ماضي الزمان والأجواء الريفية البسيطة الهادئة الخالية من الصخب ومن الزيف والتصنع والنفاق والرياء الاجتماعي، وكانت تحفل بالعلاقات الإنسانية الطيبة الصادقة العفوية، فلنسمعه يقول :

وينَك يا بَبُّور الكاز يا بَبُّور نُمْرَه خَمْسِه
صُوتَك ما عِرْف النَّشاز يِصْبَح يُهْدُر ويِمْسي
لي عَليك يْشوف الغاز حالو؟! ولِي فَضْلَك مَنْسي؟!
ما عاد العالَم مِعْتاز خِدْماتَك؟! والله نَكْسِه
البَلاغَه بالإِيْجاز إِشارَه من دُون هَمْسِه
إِسْأَل بَبُّور الحِجاز وبَبُّور يِبْحِر ويِرْسي

وبَبُّور طْحين الخَبَّاز الجواب أَصْعَب فَنْسِه
كُلّ شي زمانو بِجْتاز قيمِتو بْتِصْبَح بَخْسِه
في عَصْرَك كُنْت المُمْتاز اليُوم بْحالِه مِنْعِكْسِه
صَفِّيت صورَه بْلا بِرْواز لا نَظْرَه ولا لَمْسِه
دُورَك أَخَذْتو وما جاز توخِذ من غِيرَك دُورو
بْعَزِّيك وبْعَزِّي نَفْسي

هذه القصيدة لتميم الأسدي صفحة من دفتر الحنين والذكريات، ولوحة فنية تجمع ما بين عناصر اللون والحركة والصوت والصورة التعبيرية، وتتسم بالوحدة العضوية حيث الترابط بين وحدة الموضوع ووحدة الجو النفسي والعاطفة والاحساس الحنيني والشفافية الجميلة، وعزفت أبياتها بموسيقى عذبة وايقاع لحني جميل.

تميم الأسدي يصدح ليبث صبابته وتباريح شوقه وحنينه ووجدانه، ويغرد نشوانًا في هيامه بوطننا كنعان وبتراث وبيادر ريفنا الفلسطيني وعيون مائه وأدوات حصاده ومعيشته وحياته اليومية، ويرتل فوق الربوة في الدير الغناء والنشيد والقصيدة التراثية، ويأتي عذب الصوت، شجي اللحن، رقيق الكلمة، واضح المعني، صافي الموهبة ما يستحق هذه النظرة التأملية النقدية العاجلة.

فشكرًا لك صديقنا وشاعرنا تميم الأسدي على روعة النص وجمال اللفظ والتعبير والمحسنات البلاغية ورقي الابداع، وبانتظار المزيد مما يجود به القلم وتتفتق به القريحة والخيال الشعري الخصب، مع خالص التحيات.