كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


      

 النزعة الصوفية في أدب جبران خليل جبران


يعد جبران خليل جبران من كبار شعراء وأدباء المهجر، ومن أوسعهم حضورًا في ضمير عصره، حيث يستطلع حقائق الوجود ويقررها ببعض الحدة والانفعال. ويتسم أدبه بالروحانية الشاملة، وعانق خياله الرومانتيكي في الطبيعة أسرارًا عميقة، ونظر للوجود نظرة واجمة سوداء، وهو بهذا يمثل الحكمة التأملية الصوفية.
وجغرافية الروح ومعالمها تتجلى لنا واضحة في أدب جبران، وغالبًا ما يعبر عن النشوة والانفعال بالطبيعة وجمادها معبرًا عن موقفه من الحياة.
وحب الطبيعة كان له أثر كبير في شخصية جبران، وهي ينبوع شعره والهامه. وقد نفذ أدبه إلى صميم الحياة وذلك بفضل تأمله الدائم في الطبيعة، وملاحظته الدقيقة للحياة، وكان يظل الساعات الطويلة يحلم بين مناظر الطبيعة ويتفهم أسرار جمالها. وهذا ما نلمسه في قصيدته الخالدة " المواكب "، التي تجسدت فيها كل المعاني الخالدة والخلجات الصادقة البريئة الدافئة.
فهي قصيدة الحياة، وفيها نظرة مقدسة، ففي الغاب انعتاق من عالم الهموم والأحزان، ومعانقة لعالم سحري جميل. وقد أحب جبران الليل لأنه مليء بالأسرار التي لا تدرك، ولأنه مثار أحلام، وأفرط بوصفه، وتثور خواطره في هدأة الكون حين تبدو الظلمات مشوبة بأضواء شاحبة في طريقها إلى الفناء. وهذا الفناء هو من يذكي الشعور بالموت، ويفتح أمام الشاعر نوافذ الأحلام لأن الحقائق تتجلى على مسارح الأحلام. لنسمعه يقول في قصيدة " سكن الليل " التي تشدو بها سفيرتنا إلى النجوم السيدة " فيروز " :

سكن الليل وفي ثوب السكون تنتشي الأحلام
وسعى البدر وللبدر عيون ترصد الأيام


إن الليل عند الشعراء الصوفيين يوحي بالانطلاق والتحرر لأن النهار يتجلى فيه الموجودات المحددة المعالم، في حين أن الليل يمحو هذه الحدود فيرتفع ستار الأسرار عن النفس بالإشراق الروحي والأحلام.
وجبران هو من أكبر الشعراء الذين وضعوا أساس الرومانسية الجديدة في الأدب العربي، وصوره الجمالية الفنية أكثرها مشتقة ومستمدة من الجو الذي كان يعيش فيه بالفعل والوجدان. فأدبه حافل بالجزر والغابات والبحار والملاحين، وشعره ينبض بالخمرة، ليس التي نعرفها، بل الخمرة الصوفية التي تغنى بها ابن الفارض من قبله، وهذا ما نلمحه ونجده بوضوح في كتابه " النبي ".
وفي هذا الكتاب يخاطب جبران الضباب والريح وعناصر الطبيعة، ونحن نقرأه نحس باننا اقتربنا من هذا الأسلوب النبوي الذي يتقمص فيه صاحبه شخص الموحى إليه بأسرار الحياة. فهو يرمز في الشعر المنثور ببدائع الخيال والوجدان عن القيم الروحية العليا.
وجبران في هذا الكتاب تأثر بالتراث الغربي، وخاصة بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، وهذا ما أكده صديقه الراحل ميخائيل نعيمة.
والحب الرومانتيكي عند جبران هو عاطفة من وحي الطبيعة الصادقة، التي تعتبر مبعث السعادة والسرور في القلوب، وهذا الحب ليس مجرد فضيلة وإنما هو على رأس الفضائل، ووسيلة لتطهير النفس وصفائها.
وقد ثار جبران على مجتمعه وتمرد عليه، ذلك المجتمع المزيف الذي سلب منه أعز ما لديه في الدنيا. سلب منه حبيبته " سلمى " التي شغفها قلبه حبًا وهو في فجر شبابه، حيث تزوجها ابن اخ المطران منصور بك. وهذا ما يتجلى لنا في كتابه " الأجنحة المتكسرة "، اجنحته التي تكسرت على رصيف الزمن، وتقاذفتها الليالي والعواصف، وعصفت بها يد القدر.
لقد فجّر الحب قلب جبران فضاقت بحور الكلمات عن التعبير عن هذا الحب المقدس الذي تنشقت أعماقه من أريج رياحينه. ولعل حبه لسلمى، ذلك الحب الضائع، هو الذي غرس في أعماقه قبسان من هذه التأملات السوداوية نحو الحياة، فبقي غارقًا في يوتوبيا أحلامه، ناثرًا أشلاء حبه الجريح على دروب وارصفة الحياة.
وقد غدت همساته كالصلاة التي تقرع على جدران القصيدة والنفس، وهكذا اطلق جبران لنفسه العنان في دنيا الأحلام ووجد في هذا الانطلاق إشباعًا لآماله غير المحدودة، فصار عالم الخيال أحب إليه من عالم الحقيقة. وعليه، يمكننا القول أن أدب جبران خليل جبران هو مناخ صوفي يحول الشعر إلى عالم يرقده الوجد والشوق والحنين.
لقد فتح جبران في الشعر أفقًا جديدًا يتيح للشاعر أن يشده الشوق لمعرفة الأسرار، وأن يبدع شكلًا جديدًا لما يحيط به.