كنوز نت - بقلم الناقد: محمد علي سعيد
إضاءة في أشعار مفيد قويقس
• قبل القراءة: العنوان بمركبيه: الكلامي والفني هو عتبة النص الأولى ومن أبرز مفاتيحه، وتكمن أهميته فيما يثيره في القارئ من إيحاء دلالي وانطباع تقييمي. والعنوان الكلامي هنا، هو معطى من كلمة معنوية غير محسوسة واحدة، معرفة بأل التعريف: الغضب، والغضب هو انفعال انساني عادي تتفاوت درجاته وأساليب ردود فعله من شخص الى آخر، والعنوان هنا، مفتوح الدلالات: الغضب أسبابه ومصادره وأساليب محاربته او التصالح معه، والعنوان الفني عبارة عن لوحة فنية بسيطة جدا، خلفيه ضبابية رمادية تعكس حالة غير مرتاحة وليست متصالحة مع واقعها، وفي أسفل اللوحة ألسنة نيران ملتهبة إنها لهيب الغضب، والدلالة محاربة أسباب الغضب وحرقها، ولاحظوا معي مدى الإثراء المتبادل بين العنوان الكلامي "الغضب" والعنوان الفني.
• وقرأت الديوان بتروٍ، فوجدته كما توقعت، في خدمة دلالة العنوان الكلامي والفني وما جاء من أبيات شعرية في صفحة التظهير (ولكنني ولضيق الوقت آثرت أن لا أتطرق الى العلاقة بين النصوص المرافقة ومضامين القصائد، لأنها في نظري نصوص غير بريئة لأنها ليست محايدة).
• وجدت شاعرنا مفيد قويقس يعزف في مساحة الدلالة المباشرة على وتر الابداع، لأن لدية رغبة في إصلاح مجتمعه و يريد أن تصل رسالته الى المتلقي قارئا أو مصغيا، فتؤثر فيه وتحرضه على تغيير سلوكه نحو الأفضل والأجود والأجمل، والأديب الحقيقي لا يصالح واقعه الموجود مهما كان ويريد له السير نحو الواقع المنشود (من واقع الرؤية البصرية الى الرؤيا البصيرية) وعندما يصله يصبح موجودا فيريده منشودا، وهكذا دواليك. فكم بالحري إذا كان كواقع شاعرنا العيني مفيد قويقس، الذي يلتزم قضايا شعبه بوعي، فيحمل آمال وآلام شعبه، ويعاني معهم سياسة التمييز والاضطهاد والظلم والأبرتهايد، سياسة كانت ولما تزل بل هي اليوم من أسوأ ما يكون في ظل أكثر حكومة يمينية متطرفة ومتعجرفة تتفنن في سن القوانين ضد العرب ويتنافس أعضاؤها في إتعاس حياتهم.
• شاعرنا لا يملك إلا الغضبَ سلاحا يترجمه الى كلام شعري تحريضي وموقف وطني ليشحن بهما همم الجماهير المظلومة؛ كي يزداد وعيها وتصبح محصنة فلا تقع ضحية في عسل الكلام ووعود المحال وخبث اللئام، يقول: ولست أملك بالدنيا سوى غضبي == والحبِ والجوع والأشعار والقيم.
• حلقات الانتماء: شاعرنا يؤكد على انتمائه الوطني بامتياز في حلقاته الاساسية: القومي ثم العربي ثم الأممي، وهو فيها جميعها يقدم أدبا وطنيا انسانيا تقدميا متفائلا. – فلسطيني: تتعدد الأوطان أو أسماؤها== وهوى الفلسطيني يبقى واحدا. ومن قصائده في هذه الحلقة: فلسطيني، يا كرملي، لغة وطن، صرخات، سلمان ناطور، سميح القاسم،
- عربي: فمن المحيط الى الخليج همومنا== جرحٌ يوثّق بينها ولسانُ عربية أفراحنا عربية أوجاعنا وجميعنا عربانُ. ومن قصائده في هذه الحلقة: أنا من دمشق ومن حلب، أعيشك يا عراق، أيام عربية، سلاما بني الجولان، سلطان باشا الأطرش،
– أممي: سجل على جبهة الدنيا أنا أممي. أمميّ السير فكرا ورضى=== واختياري رغبة درب الرفاق. ومن قصائده في هذا الانتماء: أممي، في يوم المرأة العالمي، الأم.
• مضامين ضمن حلقات الانتماء: في كل حلقة من حلقات الانتماء هذه، يتطرق شاعرنا الى العديد من المواضيع التابعة لها، وعلى سبيل المثال: القدس، انتفاضة الحجارة، الانظمة العربية المتواطئة، اليعربي العميل، يوم الأرض، الأم، يوم المرأة، الربيع العربي المر، السجن، مضامين التجذر في الوطن أرضا وشعبا ولغة.
• التناص: شاعرنا أديب مثقف، وبرهاني على ذلك كثرة التناص في شعره وتعدد أنواعه المضمونية والمبنوية وتغطيتها لمساحة جغرافية ومسافة زمنية. وعليه فشعره يحتاج الى قارئ مثقف ليسبر أغوار العلاقة السببية بين كل تناص وإفادته لمضمون النص. فالقراءة الأدبية (كما عرفتها شخصيا) هي: حوار ين النص والقارئ، وعمق هذا الحوار تقرره ثقافة القارئ وجودة النص. وأكتفي بذكر بعض الأمثلة دون شرحها: عشتار، دجلة والفرات، النيل، اليرموك، فخري/ صباح فخري، ليلى وابن الملوّح، ابا الذّر الغفاري، من مُبلغي، ماذا ستبدي الأيام، لم يشهر الناس سيفا بعد، فلم تبلغِ الأيام منه فِطامها، قول الله تعالى إن الملوك، كلّ المواثيق أوراق مسوّدةٌ،
• تناص الإحساس: في أثناء قراءتي، شعرت أن بعض القصائد تأخذني بعيدا في أجواء الشعر الجاهلي أو الأموي أو العباسي أو المعاصر، وذلك بفضل الطاقة الايحائية الإحالية المشحونة في بعض التعابير والتراكيب والتناصات المفتاحية، وما تتمتع به من جزالة ومتانة وجودة سبك،
• التفاؤل: شاعرنا رغم الرغم متفائل والتفاؤل ميزة أساسية في شعرنا الفلسطيني خاصة (قارنوا شعرنا المحلي مع شعر العالم العربي بعد هزيمة حرب حزيران 1967)، ومما قاله شاعرنا: هيئوا الساحات والدنيا له=== سوف يأتي رقم أطواق الزمن. زمن يجيء وكم يجيء وربما=== للشرق يبعث للعدالة جيلا. لم نفتقد رغم الظلام هوية=== بالعمق تسري واسمها الانسان.
• الصدق الحياتي والفني: يميز النقاد بين نوعين من الصدق وهما: الصدق الحياتي والصدق الفني، بحجة "لنا ما يقول الشاعر وليس ما يفعله"، (ولعلم النفس الفرويدي تفسير رائع في سلوك هذا النوع من المبدعين) ولكنهما عند شاعرنا يتداخلان في بعدهما الوطني، وكلكم تعرفون سيرة حياته الوطنية قولا وفعلا وموقفا وقد دفع الثمن، وتحضرني من باب تداعي الاسماء القويقسية: بركتنا الوطنية أخي الكبير أسعد قويقس والصديق صالح قويقس فتحية لهما ولغيرهما.
• جملة استثنائية: صيقي مفيد، لقد ترجل الكثيرون من الشعراء عن صهوة الحصان الوطني في شريف مبتغاه ومعناه والتحريضي المباشر في تأثير مضمونه واسلوبه ومبناه، وبقيت أنت وقليل من الشعراء كصديقي أبو فارس (ولا أقول أبي فارس يحيى عطاالله) وشفيق حبيب ومنتصر منصور و... وبقيتم تمتطون صهوة هذا الجواد، فلله دركم.
- وسبح الآخرون في دهاليز النفس البشرية، وفي فضاء الخيال من رومانسية الأحلام وفانتازيا الكلام وبوح وإباحة الغزل الحسي والعذري وألغاز الحداثة والحداثية وما بعدهما حيث اختلطت الغيبيات بالروحانيات، وبرز فيها القليل من الشرعية الشعرية والكثير من غير الشعرية، فكانوا كالضيفن وليس كالضيف في حرم الشعر الوطني المقدس.. فاختفى أو قلّ أو خفت صوت المضمون الوطني في الوقت الحالي،
- وكأن شعبنا الفلسطيني انتهت جميع مشاكله فقامت دولته الى جانب اسرائيل وعاصمتها القدس الشريف، ونحن الاقلية الصابرة والصامدة نعيش في بحبوحة من أمرنا ونتمتع بالمساواة والعدالة.. واصبحنا كما في الدول الاسكندنافية تدور مضامين أدبنا حول نكهة الطعام ونشوة العطر ومعايير الذوق والجمال.
** شاعرنا قرأ وأدرك ما قاله كبار الادباء: سميح القاسم: الحالة الثقافية هي امتداد للمناخ السياسي. محمود درويش: نعيش في الزمن الرديء. سمير المومني: الأدب لا بدّ أن يكون نابعا من جدلية العلاقة بين واقع المجتمع الموجود وذاتية الكاتب الموهوب والتي تبغي المنشود لمجتمعها. كافكا: الكتابة انفتاح جرح، وحياتنا مليئة بالجراح. برنارد شو: أليس الأدب كفاحا والكفاح أدبا. وهنا تحضرني قصة الفلاح والبقرة الحراثه الدراسه.
• عزيزي مفيد: أنت جملة استثنائية في هذا الكم الهائل من الشعر الابداعي الحقيقي والشعر الإعلامي والمجاملاتي درجة النفاق والذي وصل درجة الاسهال الأدبي.
• شكرا جزيلا وصادقا يا شاعر الجماهير لأنك أعدتني شخصيا وأعدتنا كلَّنا، الى الوراء الى الماضي الجميل إلى أيام مهرجانات الشحن الوطني والتحريض السياسي والاجتماعي، والى مقولة النداء الخالدة : هلموا بجماهيركم.
* في ذكرى رحيل مفيد قويقس/ أبو عائد: الصديق الصادق والشاعر المبدع والوطني النظيف.. ارتأيت أن كلمتي حول شعره في يوم تكريمه... وستبقى أكثر الغائبين حضورا.

04/01/2020 05:00 pm 5,412
.jpg)
.jpg)