
كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني
الطَّريقُ إِلى العَزَّةِ والكَرامَةِ!
ع السلام عليكم!
إِنَّهُ لَوَاجِبٌ دِينيٌّ وأَخْلاقيٌّ على الوالِي أَوْ الحاكِم ِإخْوَتي وأَحْبابي! أَوْ الرَّئِيسِ والمَسْؤُولِ أَنْ يُطَبِّقَ على نَفْسهِ مَا يُلْزِمُ النَّاسُ بِهِ لِيَكُونَ عادِلاً! وَهذا هُوَ عُنْوانُ كُلِّ غِلافٍ، وكُلِّ إِناءٍ بِما فِيهِ يَنْضَحُ! فَإِذا كَانَ الكُلُّ يَنْعَمُ بالعَدْلِ! فَهَذا العَمَلُ يَجْعَلُنا سَواسِيَّةً كأَسْنانِ المُشْطِ، ويَكُونُ عَلَيْنا أَمْرُهُمْ ولَهُمْ مَا عَلَيْنا، ولا فَرْقٌ بَيْنَ عَرَبيٍّ وعَجَميٍّ إِلاَّ بالتَّقْوَى!
فَمَنْ التَزَمَ مِنَّا إِخوَتي بِأَوامرِ اللهِ! أَفْلَحَ ونَجَا، واللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمَّا خَلَقَ البَشَرَ وجَعَلَهُمْ بِطَبيعَتِهِمْ الَّتي خَلَقَهُمْ عَلَيْها، بَعَثَ فِيهِمْ الرَّسُلَ، وأَنْزَلَ مَعَهُمْ كُتُباً وصُحُفَاً تُتْلَى، حَتَّى لا يَتْرُكَهُمْ دُونَ رِعايةٍ وتَوعِيَةٍ، فَأَرْسلَ لَهُمْ مَا يَدُلُّهُمْ على طَرِيقِ الهُدَى والرَّشادِ، وَأَمَرَهُمْ مِنْ الأَوامِرِ ما فِيهِ صَلاحَهُمْ، ونَهاهُمْ عَنْ كُلِّ ما فِيهِ الفَسادُ والهَلاكُ لَهُمْ في الدُّنيْا والآخِرَةِ، والعاقِلُ الرَّشيدُ مَنْ يَعِي حَقيقَةَ أَوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ، ومَا فِيْها مِنَ الخَيْر ِلَهُ وللإنْسانِيةِ، فيَحْرِصُ على تَقْوَى اللهِ وإِتِّباعِ أوامِرَهِ وآجْتِنابِ نَواهِيهِ، ويَتَحَرَّكُ ويَسْلُكُ تِلْقائِيَّاً بِكُلِ مَا هُوَ مَطْلُوبٍ مِنْهُ مَعَ النَّاسُ.
أَيُّها النَّاسُ: (ألا هَلْ بَلَّغْت اللَّهُمَّ آشْهد)! قالَها الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ في أَخِرِ خُطْبَةٍ لَهُ أكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، بَعْدَ أَنْ حَبَسَها عَنْ نَفْسِهِ كُلَّ هَذهِ المُدَّةِ، إِلى أَنْ نَطَقَ بِها وَردَّدَها أََمامَ حَشْدٍ كَبيرٍ مِنَ المُسْلِمينِ، كأَنَّهُ يَعْلِنُها دُونَ رَجْعَةٍ، أََنَّ مُهِمَّتَهُ أوشَكَتْ على الإِنْتِهاءِ، فَكانَتْ الخُطْبَةُ تَأْكِيدَاً لِعَمَلِهِ الَّذي يُذَكِّرُ بِهِ، وَبِها مَا على النَّاسِ مِنْ ضَرُورَةِ التَمَسُّكِ والعَمَلِ في حَياتِهمْ، حَتَّى يَْيأَسَ الشَّيْطانُ وَلا يَجِدَ مَكانَاً لَهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ أَيْضاً: (تَرَكْتُ فِيْكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً كِتابَ اللهِ وسُنَّتِي).
هَذهِ سِيرَةُ سَيِّدُ الخَلْقِ بإِجازٍ وإيضاحٍ، وهَذا المَطْلُبُوبُِ عامَّةً! فَإِذا تَقَيَّدْنا بِجُذُورِنا وإِتَّبَعْنا دينَ اللهِ! نَجَوْنا وَنَجَحْنا في مُهمَّتِنا في كُلِّ ظَرْفِ زَمانٍ ومَكانٍ! وتًَجاوَزْنا كُلَّ المِحَنِ والعَواقِبِ.
أُحادِثُكُمْ أَعِزَّائي! بِدُونِ تَكَلُّفٍ وَتَعالي كَالعادَةِ! وَكُلُّنا بِنَفْسِ المُسْتَوى الواحِدِ، أَبْناءِ تِسْعَةِ شُهورٍ، فَلا نَعْلُو ونتكَبَّرُ على بَعْضٍ، ونَتَعامَلُ بِقِمَّةِ التَواضُعِ والأُخوةِ ولا نُعادِي أَحَداً، ونَرْجُو الخَيْر َلِلْجَمِيعِ!
إِخْوَتي المُحْتَرَمين! دَعُونا نَتَذَكَّرُ عُمَرَ بْنِ الخَطابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وهُوَ يَحْمِلُ الدَّقيقَ على ظَهْرِهِ ويَذْهَبُ إِلى مَنْزِلِ إِمْرأَةٍ أَرْمَلَةٍ فَقِيرَةٍ، لا تَجِدُ الطَّعامَ لأَطْفالِها اليَتامَى، فَقامَ عُمَرُ أَميرُ المُؤْمِنينِ بإِشْعالِ النَّارِ وَظَلَّ يَنْفُخُ حَتَّي نَضجَ الطَّعامُ ولَمْ يَنْصَرِفْ إلاَّ أَنْ تَأَكدَّ أَنَّ الأَطفْالَ أََكَلُوا وَشَبِعُوا، ولا تَغِيبُ كذَلِكَ عَنْ الذَّاكِرَةِ، قِصَّةُ الرَّسوُلِ الَّذِي جَاءَ يَحْمِلُ رِسالةً مِنْ مَلِكِ الفُرسِْ كِسْرى إِلى بْنِ الخَطَّابِ، وبَيْنَما إِصْطَحَبَهُ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمينِ لِيَدُلَّهُ على بَيْتهِ ولَيْسَ قِصْرِهِ كَما تَوَقَّعَ لَهُ، ولَمَّا كانا يَبْحَثانِ عَنْهُ في ضَواحِي المَدِينَةِ لأَنََّهُ لَمْ يَكُنْ في بَيْتهِ، وَجَدا رَجُلاً نائِمَاً تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَأَشارَ المُسْلِمُ إِلى الرَّجُلِ قائِلاً لِرَسُولِ كِسْرى: إِنَّ هَذا هُوَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ خَليفَةُ المُسْلِمينِ، فَآزْدادَ تَعَجُّبُ الرَّسُولِ وآنْدِهاشُهُ مِنْ حالِ هَذا الخَلِيفَةِ، الَّذِي خَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُُ الفُرْسِ والرُّومِ، ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ مَقُولَتَهُ الشَّهيرَةِ عَنْ عُمَرِ بْنِ الخَّطابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : حَكَمْتَ فَعَدَلْتَ فَأَمَّنْتَ فَنِمْتَ يا عُمَرُ!
ولا نَنْسى الخَلِيفَةَ أَبِي بَكْرِ الصِّديقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ مِنْ عادَتِهِ يَحْلِبُ الغَنَمَ لِمَجْمُوعَةٍ مِنْ فَتَياتِ المَدينَةِ لِيُساعِدَهُنَّ ويَعِينَهُنَّ في هَذا الأَمْرِ، وعِنْدَما تَوَلَّى خِلافَةَ المُسْلِمينِ قالَتْ الفَتَياتُ: لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو بَكْرِ الآنَ خَلِيفَةَ المُسْلِمينِ، وَبِالتَأْكيدِ لَنْ يَحْلِبَ لَنا، إِلا أَنَّهُ قَدْ إِسْتَمَرَّ على مُساعَدَتِهِ لَهُنَّ في حَلْبِ الأَغْنامِ ولَمْ يَتَغَيَّرْ او يَتَوقَّفْ عَنْ هَذا العَمَلِ رَغْمَ مَنْصِبِهِ الجَديدِ، وعُمَرُ إِبْنِ عَبْدِ العَزِيزِ الَّذِي قامَ بِنَفْسهِ لِيُصْلِحَ الفانُوسَ وَقْتَ كَانَ زائِرٌ غَريبً بِضِيافَتِهِ، فَتَعَجَّبَ الضَّيْفُ هَذا مِنْ هَذا الفِعْلِ وَسَأَلهُ : (يا أَميرُ المُؤْمِنين! لِمَا لَمْ تَأْمُرْنِي بِذَلِكَ أَوْ َتأْمُرْ أَحَدَاً مِنَ الخُدَّمِ لِيُصْلِحَهُ، فَأَجابَهُ عُمَرُ إِبْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِبَساطَةٍ: (قُمْتُ وَأَنا عُمَرُ، وَرَجَعْتُ وأَنا عُمَرُ مَا نَقَصَ مِنِّي شَيْءُ)! فَإِنَّ خَيْر َالنَّاسِ عِنْدَ اللهِ أَحْبابي إذاً مَنْ كَانَ مُتَواضِعًا!
فالكَثيرُ الكَثِيرُ مِنَ القِصَصِ أَعزِائِي! تَحْمِلُ أَخْلاقَ قادَةٍ مُتَواضِعين، خَضَعَتْ لَهُمْ البِلادُ إِلاَّ إِِنَّهُمْ لَمْ يَتَعَجْرَفُوا ولَمْ يَخْطُوا مَرَحَاً في الدُّنْيا، وبَقُوا مَعْ النَّاسِ ولِلْنَّاسِ في عَدْلِهِمْ ومُجالَسَتِهِم عامَّةَ الشَّعْبِ والإِسْتِماعِ إِلَيْهِمْ بِدُونِ تَكَبُّرٍ وَغُرورٍ، لَيْسَ كَما يَتَرافعُ بَعضِ النَّاسُ بِمَراكِزِهِمْ اليَوْمَ ويَتَعالَوْنَ عَنْ خَلْقِ اللهِ، فَهُمْ لِقَوْلِ رَسُولُنا الكرَيمِ: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ الكَبَرِ)، فَهُناكَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِدُونِ خَجَلٍ وآحْتِرِامٍ وآحْتِقارٍ لأُناسٍ، مُجَرَّدُ لَوْنِهِمْ أَوْ لُغَتِهِمْ أَوْ أَصْلِهِمْ لا يرُقُوا لَهُ! والتَّاريخُ والحاضِر ُيَشْهَدَا على ذَلِكَ!
ولا يَسَعَني هُنا إِلاَّ أَنْ أَذْكُرَ شَيْءً بَسِيطاً مِنَ الكَثِيرِ الَّذي تَحَلَّى بِهِ أَخْلَقَ وَأَعْظَمَ النَّاسِ سَيِّدُنا وَنَبِيُّنا الحَبيبُ المُصْطَفَى مُحَمَّدٌ صَلُواتُ اللهِ عَلَيهِ! كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىُ اللهُ عَلَيهِ وسَلم أَكثرَ الناسِ تَواضُعَاً ومِنْ أَجْمَلِ مَا أَنْقُلَهُ في تَواضِعِهِ؛ ذاتَ يَوْمٍ كان في سَفَرٍ فَأَمَرَ بِإِصْلاحِ شاةٍ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولُ اللهِ عَليَّ ذَبْحَها وقَالَ آخَرُ : عَليَّ سَلْخَها وقَالَ رَجُلٌ آخَرُ : عَلَيّ طَبْخَها، فَقالَ لَهُمْ رَسُولُنا الكَرِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: علَيّ جَمْعَ الحَطَبِ، فَقالُوا : نَحْنُ نَكْفِيكَ يا رَسولُ اللهِ، أَي نَحْنُ نَفْعَلُ ذلكَ بَدَلاً عَنْكَ، فَقالَ: أَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَكْفُونِي، وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُ أَنْ أَتَمَيَّزَ عَليكُمْ، فإِنَّ اللهَ يَكْرَهُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَراهُ مُتَمَيِّزاً بَيْنَ أَصْحابِهِ، وبالفِعلِ قامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ بِجمْعِ الحَطَبِ.
وَمَنْ أَخْلاقِهِ وتَواضُعِهِ إِذا دَخَلَ مَنْزِلاً جَلَسَ في أَدْنى المَجْلِسِ، وكانَ في بَيْتهِ يُساعِدُ أَهْلَهُ ويَحْلِبُ شاتَهُ ويُرْقَعُ ثَوْبَهُ ويُنَظِّفُ نَعْلَهُ ويَخْدِمُ نَفْسَهُ، ويَشْتَري بِضاعَتَهُ مِنَ السُّوقِ ويَحْمِلُها بِنَفْسهِ ويَجْلِسُ مع الفُقَراءِ والمُحْتاجِين والبُسَطاءِ مِنَ القَوْمِ وهُوَ يَعْمَلوا كُلَّ ما يُساعِدَهُمْ ويُواسيهم، وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ! بِخُلُقِهِ ومُعامَلَتِهِ لَهُمْ كَأَيِّ صَدِيقٍ اللهُ.
أَقُولَها أَحْبابي! وَبدُونِ تَرَدُّدٍ نَحْنُ مُقَصِّرين في دِراسَةِ رِجالِ أُمَّتِنا! ولِهذا نَحْنُ فِيما نَكُونُ مِنْ مشاكِلٍ وتَدَهْور ٍولا يُنْقِذُنا إِلاَّ الرُّجُوعَ! وَأُشِيرُ لِهَذا بِِما أَكْتُبَ دائِماً تَأْكِيدَاً لِلحاجةِ لِنَبْدَأَ العَمَلَ والإِقْتِداءَ بالرسولِ وَبالسَّلَفِ السَّابِقِ لِنُرْجِعَ العِزَّةَ والكَرامَةَ وَمَا نَسْتَحِقَ!
وَفَقَنا اللهُ وحَمانا وهَدانا والسَّلامُ عَليكُمْ والرَّحْمَةُ لَكُمْ مِنْ عِنْدهُ! وَكُلِّي أَمَلٌ وَرَجاءٌ أَنْ تَبِثوُّا رُوحَ المَحَبَّةِ بَيْنَنا إِقْتِداءً برسولِ الله وأَصْحابِهِ إِنْ شاءَ اللهُ!
28/12/2019 10:21 pm 3,821
.jpg)
.jpg)