
كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني
الشَخْصية في العقيدة الأسلامية
أَسْعَدَ اللهُ يَوْمَكُمْ والسَّلامُ عَليكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ!
إَنَّ أَصْعَبَ المَواقِفِ في حَياةِ الإِنْسانِ أَعِزائي المُحْتَرَمين! هِيَ الَّتِي لا يَكُونُ حَوْلٌ ولا قُوَّةٌ لَهُ فِيها، ثُمَّ يَكُونُ كالمَشْلُولِ لا يَسْتَطيعُ الحَراكَ، يُرِيدُ أَنْ يُغَيرَ فَلا يَجِدُ وَسِيلةً ولا حُلولاً، فَقَطْ يَثْلُجُ قَلْبُهُ، وتَنْقَطِعُ أَنْفاسُهُُ وتَذْرُِفُ دُمُوعُهُ، ورُبَّما يَصُبُّ عَرَقَاً وَيَعْجَزُ ذِهْنُهُ على العَمَلِ ويَضْعُفُ لِسانُهُ فَيَتَلَعْثَمُ، لَكِنَّهُ أَوَّلَ مَا يَذَّكَّرُ! فَلا يَتَذَكَّرُ إلاَّ اللهَ، وقَوْلَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهَ، ولا حَوْلُ ولا قُوَّةُ إِلاَّ بِاللهِ!
فَطالَما المَرأَةُ والرَّجُلُ مِنَّا يَقُومُ بِدَوْرِهِ أَيُّها العُقَلاءُ! لا بُدَّ أَنْ يَصْتَدِمَ بِكَثيرٍ مِنْ مُفاجَأَتِ الدَّهْرِ، مِنْهَا السَّارَةُ وأُخْرى مَا يَغُصُ البَالَ، وفي كِلا الحالَتَيْنِ يَكُونُ واجِبٌ مِنْهُ أَنْ يتفاعَلَ مَعَ الأَمْرِ بِصُورَةٍ مِثالِيَّةٍ طِبْقَاً للتَغَيُّراتِ والحاجَةِ! فَتَكُونُ لَهُ مَواقِفُهُ مِرْآةً لِشَخْصِهِ وقُدْرَتِهِ على مُجابَهَةِ الظُرُوفِ، وهَذا ضَرُوريٌّ جِداً لِصَقْلِ جَوْهَرَهِ وشَخْصِيَتَهُ! وَعادَةً مَا يُؤَثِّرُ هذا على فَهْمِهِ ونَجاحِهِ وقُبُولِهِ في عَمَلِهِ وَمُعامَلَةِ الأَخَرون لَهُ!
أَمَّا في الأَحْوالِ الطَبيعيَّةِ أَعِزائِي! يَخْتلِفُ النَّاسُ في رُدودِ أَفْعالِهِمْ في نَفْسِ المَوقِفِ والحَدَثِ! فَهَذا مَنْ يَقْفِزُ فَرَحَاً كَأنَّهُ مَجْنُونٌ وهَذا منْ يَتَماسَكُ أَعْصابَهُ ويُسَيْطِرُ على تَصَرُّفاتِهِ وَحَرَكاتِهِ، لَكِنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ إِنْسانً أَخَرَاً! لَهُ أَيْضَاً مَشاعِرُ الفَرَحِ والسُّرُورِ والغَضَبِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَنْضَبِطُ ويَثْبُتُ فَيَظْهَرُ صَلْبَاً صاحِبَ شَخْصِيَّةٍ مُتَّزَنَةٍ رَزينَةٍ يَتَغَلَّبُ عِنْدَهُ العَقْلُ على الأَحاسِيسِ الجَّياشَةِ!
هُناكَ أَنْواعٌ من الشَّخْصِيَّاتِ إِخوتي! ولِكُلُّ مِنْها مِيزاتُها! قِسْمٌ خَفِيفُ الرُّوحِ ضَحُوكٌ مُبْتَسِمٌ على طُولٍ، يَعْرِفُهُ الأَخَرُونَ بِطيبةِ النَّفْسِ والقَلْبِ وَسَلاسَةَ المُعامَلَةِ وقِلَّةَ الجَدِّيةِ، فَهُوَ بَحْبُوحٌ لا يَتْرُكُ مَجَالاً لِشَيْءٍ يُثيرُ أَعْصابَهُ، وإِذا غَضِبَ هَذا النَّوْعُ مِنَ النَّاسِ قَدْ يَنْفَجِرُ دُفْعَةً، ويَكُونُ مِنَ الَّصعْبِ إِخْمادُ نارِهِ، وهُوَ إِنْسانٌ ناجِحٌ على الأغْلَبِ لِنَقاوَةِ قَلْبِهُ، وقَدْ يَكُونُ حاجاتٌ في نَفْسِهِ لا يَكْشِفُها ويُظْهِرُها إِلاَّ لِمَنْ يَثِقُ بِهِمْ.
مَجْمُوعَةٌ أُخْرى وهِيَ قَليلَةٌ جِدَاً، تَظْهَرُ بِشَكلٍ مُرَتَّبٍ جَذابٍ مُنْزَويَةٍ على نَفْسِها، وَإِنْ وُجِدَ لَهُمْ أَصْدِقاءُ فَهُمْ قَليلُونَ، وَعادَتاً منْ نَفْسِ مَجالِ عَمَلِهِمْ، هَؤُلاءُ عِنْدَهُمْ غُرُورٌُ وشَماخَةُ النَّفْسِ، كأََنَّهُمْ مُميَّزُون عَباقِرَةٌ وَنَوابغٌ لَيْسَ لَهُمْ مُنافِسٌ وهُمْ الأَعْلونَ، وإِذا تَقَلَّدُوا مَنَاصِبَ مُعَيَّنَةٍ لا يَتْرُكُونَ لِلْغَيرِ مَجالاً، فَهُمْ مَنْ يُقَرِّرُ ويَقُولُ ويَصُولُ ويَشُورُ، مِنْ طَبْعِهِمْ لا يُحِبُّونَ المُنافِسين، ولا يَعْطُونَ الفُرَصَ للغُرَّامِ ويَتَثَبَّتُون بالمَناصِبِ والكَراسِي إِلَى حينٍ، هُمْ أُناسٌ مُغْلَقُون لا يَتَباشَرونَ، ويُفَكِّرون بأنانِيَّةٍ بِشَكلٍ لا نَظِيرٍ لَهُ!
في النَّوعِ الأَخَرِ هُناكَ الشَّخُصُ الوَسَطِي لا تَعْرِفُ لهُ حَالٌ، يَتَقلَّبُ بَيْنَ الفَيْنَةِ والأُخْرى بِحِكْمَةٍ وعَقْلانِيَّةٍ، ويَتَلاعَبُ بالعَواطِفِ والأَحاسيسِ المُخَيِّمَةِ بالجَوِّ الَّذي يُحيطُهُ والمُسْتَوى الغَالِبُ في الأَجْواءِ، هُوَ إِنْسانٌ مُحَنَّكٌ، مُجَرِّبٌ في الحَياةِ، وَلَهُ طاقاتُهُ المَعْنَويّةِ والمادِّيةِ، وَقَدْ يَكُونُ إِنْسانً كَريزْماتيكً جَذابً يُحِبُ العَطاءُ، ولَكِنْ مَوْقِعُهُ ما يُقَرِّرُ عِنْدَهُ في العَمَلِ والحَياةِ، وإِذا كَانَ صاحِبُ قرارٍ فَهوَ منحازٌ إِلى نَفْسِهِ أَوَّلاً، وَإِلى جماعَتهِ ويُصَرِّحُ وَيَعْطِي حَصَّةً للأَخَرينَ، فَيُبْقِيهِمْ بِهِ مُتعَلِّقينَ وبالأَمالِ مَعَهُ مُرْتَبِطين، وفِي النِّهايةِ لا يَبْخَلُ عليهم وَعلى هَواه!
أَمَّا الإِنْسانُ الواقِعِي فالَّذي يَعْطِي لِكُلِّ حَدَثٍ شَأْنَهُ وَيَرْبُطُ بِشَخْصِيتِهِ الفَظَّةِ بَيْنَ جَميعِ الأَحْوالِ والظُّرُوفِ، هوَ إِنْسانٌ أَمِينٌ واقِعيٌّ صَادقٌ مُحْترَمٌ غَيُورٌ لا يَتَكَبَّرُ ولا يَهينُ وَلا يَعْلو وَلا يَرْكَعُ إلاَّ لِربِّ العالَمين، فذٌّ في أَخْلاقِهِ، مُتَواضِعٌ في مَواقِفِهِ وَيَتْرُكُ للغَيْرِ مَجالً للتَعْبيرِ، ويَحْتَرِمُ رأيهم وَيَتَشاوَرُ وَيعْمَلُ مَعَ الجَميعِ، وَيشارِكْهُمْ الأَفْراحَ والأَطراحَ ويَكُونُ قُدْوةً لِلْصَغيرِ والكَبِيرِ، هُوَ مُمَيَّزٌ بطَبْعِهِ ولَيْسَ لِوَحْدِهِ في القَرارِ والتَّخْطيطِ، فَلَهُ جَماعَةُ لهُ وهُمْ طَيِّبُون، لا يَلْتَزِمُ دائِماً ويَمُرُّ خَفيفَاً على مَا يُرْضِي رَبُّ العالمين، لكِنَّهُ لا يُحِبُ بداخِلِهِ أَنْ يؤْذِي الأَخَرينَ، وهوَ إِنْسانٌ خَدُومٌ لا وَقْتَ للكَلامِ الفاضي عِنْدهُ، وَنَشيطٌ وَحُبُّهِ للعَمَلِ يكونًُ سِرُّ النَّجاحَ!
إِنَّ الأَخْلاقِياتِ الَّتي تَرْتَكُزُ على أُسُسِ التَّقوى أَعِزائِي! تَجْعَلُ واجِبَ العَمَلِ الطَيِّبِ غَيْر َالضَّارِ إلْتِزامَاً مُحَتَّمَاً على البِرِّ والخَيْرِ، لِمَا تَحْمِلُ من قِيَمٍ صَلْبَةٍ ثابِتَِةٍ صالِحَةٍ لكل زَمانٍ ومَكانٍ، فيها الإِلْتِزامُ والعَمَلُ بالمَسُؤُولِيَّةِ ذاتِ قواعدٍ إِسلْامِيَةٍ إِجْتماعِيَّةٍ دينِيَّةٍ سِياسِيةٍ، بَحَيْثُ يَتَساوَى النَّاسُ بالمبْدَىءِ عَمَلاً وفِكْراً، فَالَّذي يَرَى نَفسَهُ في خِدمَةِ الإِنْسانِيَّةِ حَقاً يَجْمَعُ الصِّفاتِ الحَميدَةِ المُسْتَنْبطَةِ مِنْ العَقيدَةِ الإِسْلامِيَّةِ، مَهْما تَغَيَّرَتْ أَحْوالُهُ والأَوْضاعُ يَبْقَى مُتَمَسِّكاً قَويَّاً لا يُضَعْضَعُ لهُ مَوْقِفً كالجِبالِ!
هذا الَّذي نَخْتارُ وفَقَنا اللهُ جميعاً! ونَحْذَرْ مِنْ أَخْلاقٍٍ لا تُوافِقُ عَقيدَتَنا مَعَ كُلِّ الإِحْتِرامِ!
السَّلامُ عَليكُمْ وهَداكُمْ وَنَوَّرَ دَرْبَكُمْ إِنْ شاءَ اللهُ!
17/12/2019 07:31 am 6,102
.jpg)
.jpg)