كنوز نت - قصة بقلم : يوسف جمّال - عرعرة


الجلّاد والجاروشة


   
 جاروشتنا .. مسجونة في حديقة جدعون في حي نحلئيل , شارع هنسية ,بيت رقم15.. في مدينة نتانيا ..
 وبيت جدعون كان في الماضي , وحيداً في منطقة واسعة , استولى عليها , بعد طرد عرب قرية " عين خالد " من بلدهم , عند قيام " الدولة .
   وبقي كما هومنذ بنائه ..
بيت أرضيّ , تحيط به حديقة واسعة مليئة بالأشجار التي تغمره من جميع الجهات , فلا يكاد المار به أن يرى منه شيئا , أو يسمع من داخله أية علامة للحياة ,ألا صوت كلب ضخم الجسم ,قبيح الوجه , مخيف العينين , "يشعل" المنطقة بنباحه المخيف المهدِّد بعظائم الأمور , اذا ما حاول كل" مستغني عن حياته" ,ان يدخل الى البيت .!
 وبالقرب من بيت هذا الكلب , وتحت شجرة وارفة الظلال , تتواجد جاروشتنا , لم تتحرك من مكانها منذ عشرات السنين..تكاد تغطيها الأعشاب التي تنبت حولها , فلا يراها من الطريق إلا من د قق النظر , وكان معنيا – مثلنا- برؤيتها .. وحولها تتناثر بدون ترتيب : محراث عربي خشبي , وآخر حديدي , وشاعوب مذراة وصاع , وغيرها من الأدوات, التي كان يستعملها الفلاح الفلسطيني في حياته .
 وجاروشتنا أحضرها معه جدنا الأول , الذي قدم الى البلاد من اليمن , قبل قرنين من الزمان , واشتراها في طريقه من سوق الحميدية الدمشقي ,وتكبد حماره الحوراني مشاق عناء حملها , وإيصالها الى بلدنا. وزرعها جدي على بلاطة ملساء واسعة تكاد ان تكون مسطبة , كانت تتسع لعشرات النساء ,وهن يجلسن حولها لجرش الحبوب, و"جرش "أخبار البلاد والعباد , واستقبال الباعة المتجولين , الذين كانوا يقصدون هذا التجمع النسائي الكبير, من أجل بيع بضاعتهم ,وزرع جدي بالقرب من الصخرة شجرة بلوط , كبرت وتضخمت , حتى غطَّت بظلها الخميل , كل فناء بيتنا , وزرعت جدتي جرة كبيرة من الفخار , بجانب جذع شجرة البلوط , كانت تملأها بالماء , الذي يبقى باردا حتى في أحرّ أيام الصيف , وكانت هذه الجره مورد , يشرب منها كل من يجلس تحت الشجره , ومن يمر بها عطشانا .
  وعلى الصخرة , وبجانب الجاروشة , كان يجلس البيك التركي تحتها, في موسم الحصاد ودرس الغلة , منتظرا ما تجمع له من الضرائب, يدفعها الفلاحون للدولة العلية, وتتناقل الأجيال المتعاقبة من عائلتنا ,أن أرضنا الغربية كانت منحة من الحاكم التركي , بعد ان روى عطشه من ماء الجرة في يوم قائظ .
  قررت ان أروي لكم قصة جاروشتنا , بعد ان عرض علي أخي كمال خطة متكاملة لاسترجاعها , وإعادتها الى بيتنا , صحيح ان البلوطة لم تبق مكانها , فقد أمر الحاكم العسكري الإنجليزي بقطعها , بعد ان تأكد أنها أنها أصبحت ملجأ للثوار, يلتقون تحتها للراحة , وتجميع القوى , وبناء الخطط والانطلاق , وأما الصخرة فقد
تحولت الى أساسا قوياً لبيت بنيناه لأخي محمود , ولكننا متمسكون بها ولم ولن نتنازل عنها يوما , ولم نفقد الأمل في استرجاعها.وأكبر دليل على ذلك, زياراتنا الدائمة لها في أسرها في حديقة جدعون .
 وقصة وصول جاروشتنا الى حديقة جدعون , سمعتها من جدتي عيشة مرات ومرات قبل تلتحق بالرفيق الأعلى , دون ان " تبلَّ ريقها " بوداع أحبائها - ومنهم الجاروشة .
  " أخذوني بالليل من فرشتي .. وما صحيت إلا وأنا قدام الزابط , في المركز .!"
 كانت تبدأ القصة .. وعيناها كانتا تغوران في واد سحيق من الألم الدفين ..
 "ظلّوا يسألوني عن الثوار , وأنا أجاوبهم -لا أعرف .. حتى ملّوا .. عملت حالي هبلة .!"
كانت تتسلل الى عينيها لمعة خجلة من فرح الانتصار, عندما تصل الى هذا المقطع من القصة ..
"ولما ارجعت على البيت.. ملقيتش الجاروشه - أخذوها .. الله ينتقم منهم..!"
كانت تنهي قصتها والدموع تسيل من عينيها , متخذة من الوديان, التي رسمتها السنون على صفحات خدودها مجرى لها, فتسارع الى إخراج " محرمتها " العتيقة لتمسحها , لتحمينا من ضربات سهام الحزن واللوعة .
 وعرفنا بعد ذلك ان جدعون هذا , كان القائد العسكري لمنطقتنا بعد احتلالها , من قبل اليهود ,وكان قبلها ضابطا في الجيش الانجليزي .
وعرفنا انه استولى على ممتلكات الفلاحين الموجودة في حديقته , بالقوة مستغلا وظيفته .
     سألت أخي عن هذا الذي يحمله قي يده , عندما قدم ليصطحبني الى حديقة جدعون , لتنفيذ خطته قي استرجاع جاروشتنا منها , عن فحوى هذا الكيس الورقي الذي يحمله في يده فأجاب , أنها منوم كلاب ,وسيستعمله في تنويم كلب جدعون , قبل أن ندخل الحديقة , ونخرج الجاروشة منها .
  ركبنا سيارتي وتوجهنا الى نتانيا .. الى حديقة جدعون .. وعندما وصلنا تفحصنا كل الشوارع المحيطة بالحديقة , فكانت خالية من المارة في تلك الساعة , من ظهيرة هذا اليوم الصيفي الشديد الحرارة , نظرنا الى داخل الحديقة , فوجدناها تغطُّ في سبات عميق .
 أما الكلب فكان رابضاً في مكانه ,لا نستطيع ان نعرف من موقعنا ان كان نائما , ام مغلقا عينيه " نصف غلقة..! " .
 أخرج أخي قطعة اللحم, وغمسها بالمسحوق المنوم , ورماها من فوق السياج الى داخل الحديقة , فوقعت بالقرب من الكلب , فوقف الكلب ومشى خطوتين باتجاه قطعة اللحم والتقطها بأنيابه , ورجع ليربض قي مكانه, فطحنها على مهل..غير آبه أنه كان " يطحن " صبرنا معها , وعندما انتهى من أكلها عاد الى حالته الدائمة , لا تعرفه فيها ان كان نائماً أم مستيقظا .

   صعد محمود بخفة الى أعلى الجدار , وقفز الى داخل الحديقة , وبقيت أنا في الخارج, ليناولني الجاروشة من أعلى الجدار , الذي ارتفاعه عن الأرض يقارب المتر..
 وما هي إلا لحظات, واذا بنباح قوي يمزِّق ستارات الصمت, لتي كانت تخيم على
المكان .. تقدمت من الجدار , وصعدت عليه بحيث أستطيع رؤية ما يحدث لمحمود في داخل الحديقة .. فرأيت منظرا مرعبا.. رأيت عراكا مشتعلا بينه وبين الكلب ..الكلب شاهرا أنيابه ومخالبه الحادة , كأنها سكاكين سلت من جهنم , ويحاول بكل شراسة غرزها في لحم محمود ..
 أما محمود فكان يكيل الضربات للكلب بكل قواه , وبدأ الدم يرشح من وجهه ويديه ..وضعت يدي على أعلى الجدار , لأتخذها ركيزة لأقفز الى داخل الحديقة لنجدته .. واذا بصوت قوي يخترق أذني , فتجمَّدت في مكاني , صلَّت عيني لأتبين مصدر الصوت , فرأيت رجلا يشهر بندقيته باتجاه محمود, فجمَّدني الخوف والهلع مكاني , أما الكلب فرجع ليربض مكانه , كأنه لم يحدث شيئ..
-ماذا تريد .!؟ ولماذا دخلت الى هنا .!؟ صرخ الرجل بمحمود , وهو يوجه البندقية باتجاهه .
-أردت أن أشرب الماء من الحنفية .! أجاب محمود بصوت هادئ..
-سأقتلك .. سأقتلك .. ! صاح الرجل مهددا متوعدا..
- أتقتلني ..وكل ذنبي أنني دخلت بيتك لأشرب الماء ..!؟ قال محمود محاولا تثبيت خطة محاولته التخلص من الموقف .
-سأسلِّمك للشرطة ..هي التي تعرف كيف تتعامل مع أمثالك من العرب ..!!قال وهو يضع جهاز البليفون على أذنه.
-ماذا ستفعل بي الشرطة , عندما تعرف اني دخلت لأشرب الماء من الحنقية , ولم أخرب شيئا في بيتك .!! استمر محمود في تطوير خطته , بعد ان لاحظ أنها بدأت تعطي ثمارها .
 واذا به يهجم على محمود , ويبدأ بكيل الركلات بصورة جنونية وهو يزعق :
-اني أكرهكم .. اني أكرهكم ..لا أقدر ان ارى أي عربي ..لماذا لم نطردكم جميعا.!؟..لماذا أبقيناكم على قيد الحياة .!؟ لماذا ..!؟
  وهنا تعثرت قدمه بالجاروشة , في أثناء مطاردته لمحمود , الذي كان يحاول الابتعاد عن ضرباته , سقط عليها , فارتطمت رأسه بها , فسال الدم من رأسه غزيرا ,فاغتنم محمود انشغاله بدمه النازل , فاطلق لرجليه العنان , وولى هاربا , فقفز عن السور , متوجها الى سيارتنا , فلحقت به , وانطلقنا بها عائدين الى البيت .
  وفي المساء زارني محمود في غرفتي , حاملا على وجهه في مواقع كثيرة , آثار أنياب ومخالب الكلب.. وسألني دون مقدمات :
-متى سنعود .!؟
-ألى أين .!؟
-للجاروشة ..!
فتذكرت دموع امي .!