كنوز نت - يوسف جمّال – عرعرة



 ومشينا في طريق الجمر .!

في عنقي معلَّقة خرزة زرقاء 
صنعتها أمي من نوّار
 أزهار الزنبق
يوم ولدتني في العراء
قرب الجرمق
في الطريق من أم الشوف
الى حافة النهر
هناك على المفرق
 لفَّعتني بطرحتها
وقمَّطَتني بدمعتها
وشيَّعتني بدعوتها
وناولتني بيرق
وقالتْ امشِ
***********
فقلت ..
كيف أمشي - يا أمّي
 و أنا ما زلتُ
أتلفَّع بريش الحرام
كيف أخطو - يا أمي
وأنا ما زلتُ ضعيف الأقدام
كيف سأصير وطناً
وأنا ما زلتُ عاجزاً عن القيام
كيف سأصير حلماً
وأنا ما زلت لا أنام
إلا على هديل الحمام
كيف أصير بطلاً
وأنا ما زلتُ قبل الفطام
***********
 فسريت في طريق الآلام
 قاصداً يبوس
أبحث عن المعراج
وصلاة عمر
وزمنه المصلوب
************
سمعت صوت أجراس القدس
 كانت أمي ينادي
 من فوق الأسوار
وا معتصماه ..! وا معتصماه ..!
 فخرجتُ من ظلال نخيل أريحا
وقفت فوق السّور
كانت أمي تصلي صلاة العصر
في رحاب يبوس
نزلت ومسحتْ عن عينيها
حروق القهر
ومشيت معها
في طريق الجمر
***********
 رجعت الى أريحا
وغطستُ في مياه النهر
وخرجتُ مسيحاً
صلّيتُ صلاة الجهر
وكسَّرتْ صليبي
على الصخر
ومشيتُ ..
*********
 فالتقيت بأمي ..
 حورية خرجت من النهر
 تحمل على وجهها
عذابات الدَّهر
 ترتِّل آيات من سِفر الجَوْر
وفي يدها حقيبة حمراء
مصنوعة من نار الجمر
********
قُلتُ :
كيف سنرجع - يا أمي..

 والغول وراءنا
وأنياب السراب الممسوخ أمامنا
 كيف يا أمي ..
 سنمشي بلا دليل
لا سماء فوقنا
ولا أرض تحتنا
ولا نور قنديل
وطريقنا طويل
وزادنا قليل
 يا أمي ..
 كيف سنرجع ..
 والروح في حلمنا مخطوف
و الريش في جناحنا منتوف
وآثار أقدامنا محاها الغياب
 من طريق أم الشوف
*************
 أصوات تنادي
كانت أمي ...
كان صوتها الحنون
 خرج من عين الحجة
كان يطير فوق براري الروحة
صاحت من اللَّجون :
حلمنا يا ولدي
 يمرُّ من ممرات الجراح
ومن شريانه يسقي
 أشواك الصبر والقندول
حلمنا ..
أصداء أنفاس الزعتر والخوصلان
ونغمات اليرغول
تتبعثر إذا ما عصفت الرياح
وتعود لتسكن فينا
بين زعقات الجراح
فنمشي ..ونمشي ..