كنوز نت - قصة بقلم : يوسف جمّال – عرعرة



المقام المخطوف.! (سيرة مقام جرهم بن كليب العبقري الصفوري .) 



      
لا نعرف التاريخ الدقيق , التي بدأت عائلتنا - عائلة العبقري العريقه - تتوارث تقليد بناء المقامات لرجالاتها الأفذاذ بعد موتهم ..
     
فبلادنا مليئه بمقاماتهم , فمثلا هذا مقام جدنا "جرول بن عوف العبقري الأول" , وُجد في مدينة القدس , ويبدو أنه بُنيَّ في عهد اليبوسيين .
ووجد مقام لأحد أجدادنا في دياميس عكا , كتب على بنائه - " مقام الضحّاك بن زيد العبقري " .
ويزين مقبرة الخليل , مقام جدنا "أوس بن علقمه العبقري" وهكذا فان قبورنا تملأ رحاب بلادنا .
    
إن جميع رجالات عائلتنا , ومواقع قبورهم , مخطوطة على شجرة العيله ,التي نحتفظ بنسخ منها , ونحافظ عليها كما نحافظ على حياتنا .
  
. وآخر نسخه - لنا عُلم بها- كانت نسخة الكويكات ,
 حيث وجدوها في بيت ابن عمنا "حذيفه بن شداد العبقري" ,الذي يتخذ من مخيَّم جنين مسكناً , بعد أن طُرد من بيته بعد النكبة , فصادروها واعتقلوها في متحفهم العسكري, وأخذوا ابن عمّي الى السجن , ولما سألوه عن سرِّ شجرة العائله , قال لهم:
" إن أفراد عائلتنا مسكونون بالجن .!", الذي أحضروه معهم من منطقة عبقر, من فيافي جزيرة العرب.
    
 فأصابتهم "جفله".. فحملوهم - هو وعائلته- ورموهم من وراء النهر , وهم يصرخون بهم :
" ارجعوا من حيث أتيتم.!".
     
والذي أثار المسأله مره أخرى ..
 متسلل من مخيّم جنين ..
 
وصل الى بيتنا, بعد ان أرشى ضابطاَ إسرائيلياَ " بقنينة زيت" من زيت اليامون , وقال إنه ينتمي بنسبه لعائلتنا العريقه , وأخبرني أنه سمع ان نسخه من شجرة العائله , مدفونه في مقام جدنا , جرهم بن كليب العبقري الصفوري , تركها هناك ابنه "مره" , الذي اختفت آثاره في بلاد المنافي, فقلت في نفسي:
"ويأتيك الفرج من حيث لا تدري !" .
      
فركبت سيارتي وطرت الى صفورية , وعندما اقتربت من مقبرتها , اصطدمت عيناي بأعداد كبيره من السيارات , منها ما هو مدني , وأخرى سيارات شرطه , وعندما تخطيت السيارات , رأيت منظراَ غريباَ .. 

 لقد كان المئات من الأشباح السود , يحيطون بقبر جدي , ويقومون بتحريك رؤوسهم الى أعلى والى أسفل , وتخرج من حناجرهم أصوات , كأنها دوِّي نحل .
    
دققت النظر فيهم , فوجدتهم عباره عن نسخه واحده لكائن بشري مغطى بالسواد , من أعلى رؤوسهم الى أسفل أقدامهم , تتدلّى من رؤوسهم سوالف شقراء , وعيونهم منصبة على كتاب مفتوح يمسكون به بأيديهم , عرفت بعد ذلك انه كتاب التوراه .
      
ولما سألت شرطياً عربياَ تفسيرَاً لهذا الذي يدور أمامنا , قال وهو يضحك ضحكه, حاول ان يخفيها عن قائده اليهودي: " يقولون ان في هذا القبر مقبور رجل مقدس لهم.!!"
       
"باطل" يا غبوه .. يا عبقري .!! الغرباء يقدسون جدّك ,وأنت "صافن".!"
قلت في نفسي والحميه تشعل رأسي . !
       
رجعت الى سيارتي, وأخرجت قطعه من القماش الأسود , كنت أفرشها في الصندوق الخلفي للسياره , ولففت بها جسمي من الأعلى, "وسحبت " كتاباَ من أحدهم , كان يحمل مجموعه منها , وفتحته وبدأت أقلدِّهم هازاَ رأسي الى الأعلى والى الأسفل , وأتمتم قائلا " رحماك يا جدي .. ! رحماك يا عظيم .!".
 واستمررنا على هذه الحاله ساعه أو يزيد , ولما توقفوا وتوقفت ,"صادت" عيني رجلاً كان يقف بينهم , ولكنه لم يكن يلبس السواد مثلهم .
      
 تقدمت منه ..وعندما تمعَّنت وجهه عرفته .. إنه "ييتساق شيمي ", الذي كان يسمي نفسه عند العرب قبل , "الانتفاضه" "أبو عبد الله" , وكان يبيع الهويات الزرقاء للعرب, مقابل ما يزودونه من الخنازير البريه .
   
فتقدمت منه وصحت به : "أبو عبد الله..!",
 ولما لمحني أسرع الي" وعبطني" "عبطه " عصرتني , وهمس في أذني:
" إسكت..! أنا هنا يتسحاق شيمي.!" ,.
ولما أفلتني قال لي معنفاً:

"كيف وصلت الى هنا , متخطِّياً حواجز الشرطه!؟"
قلت له : "متسللاً!" فسكت .
فسألته هامساً والدهشة تقطع قلبي :
"ماذا يفعل هؤلاء المتدينون هنا , ألا تعرف ان هذا قبر جدي.!؟ّ "
فرَّد وابتسامة خبيثة " تزيِّن " وجهه :
"أعرف يا غبي !.. ولكنه لم يعد قبر جدك .!!, انه قبر يعقوب بن يوحنا الفلنئي.!!" أكمل مسدداَ الى قلبي سهام سمومه السوداء .
تركني مسرعاَ ملتحقاَ " بجماعته " , بعد أن حذَّرني من العوده الى صفورية مره أخرى.
      
وبعد ان غادروا المكان لملمت قواي , ودخلت الى مقام جدي" صخر بن ثعلبه العبقري" ,وحفرت بجانب قبره, فوجدت الكوشان وشجرة العيله, فأخذتها وأسرعت بها الى بيتي , وخبأتها في مخبأ العيلة الحصين .
         
بعد اسبوع , رجعت الى صفورية , لأتفقَّد أحوال قبر جدي , ولولا أني قبرته بيدي لما اهتديت إليه .ز
 فقد كانت تحاصره أعمدة من الحديد , مُثبت بها أسلاك مشبَّكة .
 مكوَّنة سياج لا يمُّر منه العصفور , وتحوَّل لونه من الأخضر إلى الأسود , وبعد جهد جهيد , استطعت من فتح بوابته والدخول إلى المقام .
 وعندما دخلته هالني ما رأيت ..
 فقد مُحيت الآيات القرآنية , وكُتِب بدلها كلمات باللغة العبرية , واختفت المصاحف من مكانها ,وأبدِلتْ بكتب بالعبرية , وغُطِّي ضريح جدي بغطاء جديد , ورُسمت في أماكن كثيرة من جدرانه ,نجمة داوود الحمراء .
   وعندما خرجت مشدوهاً .. وجدت سيارة الشرطة تنتظرني في الخارج , فرموني في داخلها .. وعندما أردت فتح فمي , أغلقوه بالتهديد والوعيد , ولعنوا أجدادي إلى ان وصلوا الى جدّي عبقر.
      
وعندما وصلنا مقر الشرطة , أجلسوني على مقعد قرب بابه الرئيسي , فبقيت جالساً عليه ساعات طوال حتى تحولت الى جزأ منه .
  وعندما أتى "الفرج" , أدخلوني الى غرفة , وجدت فيها نفسي أجلس على كرسي أمام اثنين , واحد يلبس رسمي والثاني بالصندل والشورط والفلينلا ذات نص الكم , وعندما تفحصت وجهه هالني ما رأيت ..
 كان هو شامي - أبو عبدلله ..
- كيف حالك يا صديقي ..يا عبقري .. !؟ سأل بنبرة لوم وعتاب
- صديقك بعمل مشاكل ..سبقني "الرسمي " بالرد .
- يا إيلي .. بيت جده ..! إنت بتحب واحد يمنعك من زيارة قبر جدك .!؟
- ولكنك قلتلي ان أجداده في عبقر .!! وشو "جابهم " على صفورية !؟
 فقلت باستهبال :
-قالوا انه عطش , ولم ترويه إلا مية صفورية..!
-ومن أين عرفت هذا .!؟ سأل متوعداً ..
-وجدت هذا مدوناً على رقعة , في ضريحه مع كوشان الأرض .. ووثيقة شجرة العيلة .!
 فانطلقت منه قهقهة هزت المكان ..وضرب بيده ضربة زلزلت كتف صديقي الشامي , وقال وهو يغالب تفجرات ضحكاته :
-والله هذا صاحبك يا شامي نكتة..!
  مشان شامي وصحبتك معاه , بنسمحلك تزور الضريح .! أكمل وهو يحاول ان يُرجع توازنه وجديته
-وأهل صفورية . !
-ممنوع .. ولا واحد . !
-ولكن هم إلي " حضنوا " جدي حيًّ , وبنوا له الضريح ميتاً .!
-قلت ولا واحد .. ! أنت بعدك بتحلم إنه في ناس إسمهم أهل صفورية ..!؟ زعق بي ..
  وقاما من مكانيهما وخرجا .. وتركاني .
بيتوني ليلة في غرفة السجن .. فبت فيها أعد النجوم في سقفها ..
 وفي الصباح أطلقوا سراحي ..
وطرت الى عين صفورية ..وأغرقت وجهي ,أغبُّ ماء عينها , مكملاً سيرة العيلة , التي نتوارثها منذ أن قدم أجدادنا الأوائل , من بوادي عبقر .!