كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


في شعرية محمد صالح غنايم


من نوارس الشعر الجديدة في فضاء الابداع والساحة الأدبية الثقافية المحلية اللافتة، الشاعر الجميل الرقيق، أنيق الحرف والتعبير، محمد صالح غنايم من مدينة سخنين في الجليل. فقد تقريت قصائده وكتاباته النثرية على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي " الفيسبوك "، وفي عدد من المواقع الالكترونية، ولمست من خلالها شاعرية حقة، وموهبة نابضة متفجرة الاحاسيس، ينتظرها مستقبلًا أدبيًا يانعًا زاهرًا.
محمد صالح غنايم يلفت الانتباه، ويثير الرغبة في الاكتشاف، شعره لا تستبين فيه وجهًا للدلالة، فالمقولة تراوغك، والرمز يلوح تارة، ويتخفى تارات، لكن قراءته ممتعة، فهو من النوع التأملي الوجداني الرومانسي الرومانتيكي الذي يهبك دلالاته. ومن يقرأ نصوصه الشعرية والنثرية يجد فيها سحر وجمالية الكلمة، وشفافية البوح، واختياره ألفاظًا لغوية منتقاة بعناية بالغة، مختزلة ، عميقة الدلالة والايحاء ، قوية السبك، واستثماره للمعجم اللغوي البلاغي، وللأساليب الفنية الحديثة، جاعلًا من قصيدته لوحة تشكيلية تتراقص حروفها المخملية مهما كانت دلالات تعبيره ومغزاه.

ولنقرأ هذا النموذج من كتاباته، حيث يجتمع النسق اللغوي والتعبير الوجداني المشحون بطقوس العشق الدفين ووتريات الحب الجميل.. قائلًا :

أعدي لي القصيدةَ مزاميرَ للبعيدِ
وأرضاً من الشقيقِ تليقُ باللقاءِ ..
ومرقصاً يُوشِّي رقصتَنا الأخيرةَ
أنفاسَنا ونبضَ خُطانا بالحياءِ ..
فأنتِ الأنجمُ والكواكبُ
والشموسُ وثُرَيَّاتُ السماءِ ..
وأنتِ العقيقُ واللُّجَيْنُ
والفيروزُ ورخامُ البهاءِ ..
وأنتِ المزاميرُ والتراتيلُ
والتواشيحُ وياءاتُ النداءِ ..
وأنتِ المواعدُ والمشاويرُ
والمواسمُ وخَطَراتُ الشتاءِ ..
وأنتِ ارتباكُ المطرِ الطليعيِّ
وتأنقُ السُحُبِ الزرقاءِ ..
وأنتِ تَكَسِّرُ لاءاتِ الذهولِ
وبُحَّةُ البكاءِ ..
وأنتِ قِطَافُ الشجرِ المُذَهَّبِ
وأجملُ النساءِ ..
أعدي لي المدى منابرَ للنشيدِ
ومآذنَ سامقةً للرجاءِ ..
كي أناجيكِ من باحةِ قمرٍ خبا
مع قناديلِ المساء ..
وأُناديكِ من أمسي الذي ارتحلَ
مع أطيافِ الغرباءِ ..
فلا أسمعُ إلا عتمَ الصَّدى
ينغرز في ياقةِ الضياءِ ..
كيفَ لك أن تقتليني اغتراباً ؟
وتقولي : شاءَ القدرُ شاءَ ..
وأن تُطفئي الفنارَ الوضيءَ

وتحطمي أرصفةَ الميناءِ ؟ ..
وتَدَّعي وقرتْ أُذنايَ
فتضيعُ لثغةُ صوتي في الهواءِ ..
وأتساءَلُ
كيفَ لقصيدتي المُشَظّاةِ كالبلورِ
أن تولدَ من رحمِ الشقاءِ ؟..
وكيفَ لها أن تكرجَ كاللآلئ
على عنقِ أميرتي الشَّماءِ ؟ ..
آهٍ يا مدائنُ تغتالُ الأقمارَ والفصولَ
وتكفرُ بالأفعالِ والأسماءِ ..
تمزقُ النوتاتِ في حاناتِ المدينةِ
وتصلبُ أكابرَ العُشَّاقِ والشعراءِ ؟؟ ..
تجعلُ الضبابَ راعياً للنجومِ
ومليكاً على ممالكِ الفضاءِ ..
وأدعوكِ
تناثري سَكْبَ نبيذٍ يلغي الزمانَ
على غَرْغَرَةِ الأضواءِ ..
كي أَنْبَجِسَ أحدَ عشرَ حنيناً
من فوهةِ الفناءِ ..
تمايلي ميسَ نيلوفرَ يطوي المكانَ
على زُرقةِ الماءِ ..
كي يتسلقَ ناظري الوريقُ
ثَنَياتِ خصركِ في العراءِ ..
إِخْضَوْضِري حبقاً ونعناعاً
في عَتْقِ الصورِ الصفراءِ ...
كي أتدفقَ ذكرياتٍ نهريةً
فوقَ ضفافِكِ الخضراءِ ..
فأنا مملوءٌ بكِ حتى الثمالةِ
وأنا مُطَوَّقٌ بأطيافِكِ حدَّ العياءِ ..


نصوص محمد صالح غنايم أكاليل ورد وباقات ياسمين، أناشيد وترانيم رومانسية غاية في الجمال والروعة والرقة، يصوغ مكنوناتها كخيوط الحرير، بكل تفاعل وتناسق وتجانس، وثراء لغوي وخيال شعري مجنح وخصب.
إنه بارع في خلق الفكرة وابتكار الصور الغنية المركزة في السرد المكثف والرؤية الشعرية، في اللغة الحية المدهشة الساحرة في الابهار، وفي نغم الصوت واللحن والايقاع الموسيقي الشعري العذب كماء الجداول والوديان.
فهو يحلِّق في الفضاء الإبداعي، بالحلم، بالحب، والأمل، ويمتاز بالتصوير والوصف الخلّاب والبراعة الحسية الجمالية الفنية في التعبير الشعري، والصور الحية المتحركة المبتكرة، ومضامينه النابضة برغبات الروح والوجدان الذاتي. وميزته الأسلوبية إنه يقدم الرؤى والصور الشعرية في دلالاتها التعبيرية وايحاءاتها العميقة واستعاراتها البلاغية لتصل لمراميها.
محمد صالح غنايم متمكن من أدواته الفنية ولغته الشعرية، فهو شاعر وعازف ماهر على عنق الكمنجة المغناج، كلماته ليست كالكلمات، ممسكًا بخيوط وتلابيب القصيدة الرائعة الغارقة في الوجد والمؤانسة، التي تروع بكل دلالات اللفظة، وتعبِّر عن مشاعره الانسانية الفياضة. وهو يعرف كيف يختزل ويكثف التجربة، وبقدر ما تكون القصيدة مختزلة ومكثفة تكون روعتها وجماليتها.
فتحية من القلب لنورس الشعر محمد صالح غنايم، ونحن بانتظار ما سيجود به خيالك الواسع من نصوص جديدة تغذي حواسنا ومشاعرنا وعواطفنا الداخلية، ومزيدًا من العطاء والابداع والتميز والتألق.