كنوز نت - بقلم، الكاتبة جميلة شحادة


جياد طليقة (معلمون طلقاء)


لم أجد أنسب من عنوان قصة الدكتورة نجوى غنيم "جياد طليقة" والتي قرأتها في إحدى المواقع الأدبية، المصرية قبل سنة؛ لأعنْون مقالتي هذه. لقد وصفتْ لنا الدكتورة نجوى في قصتها "جياد طليقة"؛ مشاعر مربٍ وهو يُقْدِم على اتخاذ قراره للخروج للتقاعد بعد عمله لمدة 40 عاما في سلك التربية والتعليم؛ ورغم أن الدكتورة غنيم جاءت حكايتها عن مربٍ؛ الا أنني أجزم بأنها كانت تقصُّ حكاية مربية فاضلة من الناصرة أعرفها ويعرفها الكثيرون من النصراويين. لم تعلّمني هذه المربية؛ ولكني أعرف عطاءها واخلاصها لعملها وتفانيها فيه، وأشهد كما يشهد غيري على حسن اخلاقها ورقيِّ تعاملها مع الآخرين. هذه المربية، رحمها الله، من الغبن أن لا أذكر اسمها هنا؛ ولكني أحترم خيار الدكتورة غنيم بعدم التعريف عن بطل/ة قصتها، "جياد طليقة".  
"لم أكن أمتلك شريط تسجيل اجتماعيّ لائق، فانسحبت ببساطة إلى كهفي كأيّ كائن جريح في الغاب واشهرت صمتي. وبعد تفكير طويل قلت للمدير: سأقدِّم للتقاعد...
قال المدير بسرعة: أنا موافق.
شعرتُ كأنّ يدًا قاسية تعتصر قلبي، بعد أربعين عامًا من الخدمة بعد كلّ هذا العطاء والعمل الدؤوب، بعد كلّ هذا الحب وتلك الجهود..."موافق" ...
لكلّ شيء نهاية، ولا بدّ للأجيال الجديدة أن تأخذ مواقعها؛ لكن ليس بهذا الأسلوب". هكذا بدأت الدكتورة غنيم قصتها، "جياد طليقة".
نعم ليس بهذا الأسلوب. كثيرون منّا يعرفون حق المعرفة بأن المعلّم هو المساهم الأبرز بعد الوالدَين في بناء الإنسان؛ لكن هل هناك كثيرون منا يقدّرون شعور المعلّم المقدم على الخروج للتقاعد أو الذي خرج بعد عطاء كبير وخدمة لمدة طويلة؟ أو هل يستطيعون ان يشعروا بمعاناته، وبالمشاعر والاحاسيس التي يحس بها ؟

ازداد في السنوات الخمس الأخيرة الحديث عن معاناة معلمين/ت مقدمين على الخروج للتقاعد او خرجوا للتقاعد بعد ان خدموا في سلك التربية والتعليم لا يقل عن ثلاثة عقود على الأقل؛ لقد اصبحنا نسمع منهم وبألسنتهم وهم يقصون قصص معاناتهم مع ادارات مدارسهم، حتى بات البعض يفكر في تأليف كتاب يضم بين طياته هذه القصص التي ان دلت على شيء فإنها تدل على نكران الجميل والخيبة .
احدى المعلمات والتي خدمت 35 سنة في سلك التربية والتعليم أجبرتها ادارة مدرستها على التقاعد المبكر حيث سحبت منها وظيفة مربٍ والتي يتقاضى بموجبها المعلمون نسبة 10%من راتبهم الشهري، لكي تجبرها على التعهد بتقديم طلب للخروج للتقاعد المبكر في السنة الدراسية المقبلة؛ فما كان لهذه المعلمة الا ان تطرق كل الأبواب لتستجدي حقها، وعندما حصّلته كانت قد خسرت صحتها وقبضت على روحها المذلة. لقد حدث هذا في أكثر من مدرسة من مدارسنا العربية. أيضا هناك المعلم الذي اعطى اربعة عقود من عمره لعمله في المدارس والذي أحكمت ادارة مدرسته الوثاق حول عنقه عن طريق برنامج حصصه الأسبوعي الشائك، فراح يصيح ويستنجد: فكوا وثاقي؛ ففكوه بخروجه للتقاعد.

معلمة أخرى تسرد مرارة اقصائها عن زميلاتها في المدرسة التي عملت فيها اكثر من ثلاثين عاما؛ حيث كانت ادارة المدرسة تحاسب افراد الهيئة التدريسية الذين تضبطهم متلبسين بحديث معها، والسبب هو إجبار هذه المعلمة على الخروج للتقاعد المبكر وارضاء مفتش المدرسة؛ فهناك متخرجة جديدة من الكلية بنت "ناس" ليس من المنصف ان تظل بلا عمل.

وتلك المعلمة التي أصدرت ادارة مدرستها، فورا ودون سابق انذار، تعليماتها بإخراجها من كل مجموعات الواتس أب المتعلقة بالمدرسة حتى تلك "المجموعة الاجتماعية الخاصة بالمعلمات فقط"، في اللحظة التي خرجت فيها للتقاعد.
الأمثلة اعلاه هي غيض من فيض. وهنا يسأل السؤال: أية رسالة تربوية ترسلها هذه الادارات التي من المفروض ان تكون "تربوية" الى المعلمين الجدد بالذات وللطلاب بالأساس؟

كان المعلم في الماضي في المجتمع العربي الفلسطيني داخل دولة اسرائيل، يحظى بالتقدير والاحترام؛ ففي سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات كانت مكانته تفوق في بعض الأحيان والأمكنة مكانة مختار القرية أو رئيس السلطة المحلية في بلدٍ ما؛ وحتى سنوات التسعينات كان يعتبر المعلم عمله في التربية والتعليم رسالة يؤديها لا مهنة يعتاش منها؛ فكان يتفانى في عمله غارقا في تأدية رسالته وناسيا نفسه في كثير من الأحيان. لكننا اليوم وعلى ضوء ما يشهده المعلمون الجدد من معاناة زملائهم القدامى والذين يخرجون للتقاعد بعد تفانيهم في عملهم دون تقدير وفي بعض الأحيان مهانين؛ نراهم قبل ان يعرفوا واجبهم، يسعون ليعرفوا حقوقهم لتحصيلها وللمحافظة عليها، بدل ان يسعوا ليطوروا عملهم. كما أن معظمهم يسعون ليتقدموا في سلم الترقيات في سبيل تحقيق الربح المادي، لا حبا في العمل والعطاء؛ وهكذا ،للأسف، أصبحت التربية والتعليم مهنة يتكسب منها المعلمون، لا رسالة يؤدونها في ظل مجتمع لا يقدرهم، وادارات تعتبر المدارس مزارع خاصة بهم.


 ولأن التعميم ليس من خصالي وارفضه في كل مكان وزمان، وجب علي أن أذكر أن هناك ادارات تربوية وحكيمة أيضا في مدارسنا، تعرف كيف تنشر رسالة الاحترام والتقدير لترسخها في نفوس طلابها بالأساس؛ إذ ان هناك ادارات ترى بمعلمي مدارسها المتقاعدين موردا بالإمكان الاستفادة منه، حيث تجندهم للتطوع في مشاريع مدرسية، أو تدعوهم ليكونوا لجان تحكيم في مسابقات مختلفة تجريها مدارسهم وغير ذلك من النشاطات المدرسية. ايضا هناك مدارس تقوم كل سنة في اليوم الأول لافتتاح السنة الدراسية بدعوة المعلمين المتقاعدين منها ( المعلمين الذين تقاعدوا قبل عشر سنوات وما بعد) لتمنح كل منهم باقة ورد وكلمة شكر في طابور الصباح امام جميع الطلاب والمعلمين وبهذا تعلن للجميع عن وجوب احترام مربي الأجيال.

يتركز تفكير المعلمين أثناء الاستعداد لمرحلة التقاعد على الموضوع المالي؛ وهذا حقهم بأن يعيشوا بكرامة بعد عطائهم وخدمتهم لسنوات طويلة في عملهم؛ وحتى لا تلسعهم نار العوز؛ فشروط التقاعد الحكومي أقل دلالا من الاعتقاد السائد. بيد أن هناك أمرا لا يقل اهمية عن الموضوع المادي، هو الجانب النفسي والاجتماعي؛ حيث يسبق قرار الخروج الى التقاعد مرحلة ليست بالسهلة على المقدم على هذه الخطوة، وتنتابه المشاعر المختلفة منها ما يكون مؤلما؛ فكيف اذا كان الخروج للتقاعد مفاجئا؟! لماذا لا يُسن قانون ينص على ان يخرج المعلم بعد 25 سنة خدمة فقط ويحصل على كامل حقوقه؟ وبذلك نخفف عليه التخبطات في المشاعر، وتعامل بعض ادارات المدارس على انه فرس تتألم والأفضل إطلاق رصاصة الرحمة عليه بالتعجيل لخروجه للتقاعد. لماذا لا يخرج المعلم للتقاعد المبكر دون ان يقدِّم شهادة ويكتبها بنفسه، ويصرح بها انه غير مناسب للعمل؟ لماذا يجب أن يخرج المعلم للتقاعد مهانا في الوقت الذي فيه أعطى من روحه قبل عِلمه لطلابه وعمله؟ الا يحق لمربي الأجيال ان يخرجوا للتقاعد مكرمون معززون؟! الا يجدر بالمدرسة بل بالحي والبلد بأن يحتفوا بالمعلم الذي خرج للتقاعد كما يليق بمربٍ اؤتمن يوما على مستقبل أجيال من الأبناء؟!

ان المربي الذي يرفض سياسة القطيع، والذي لم يساوم على مصلحة الطالب ولم يوازها مع رضا الإدارات؛ تنتهي مسيرته المهنية، ويخر ج من دائرة المدارس، حتى وان خرج دون ان يودع طلابه وزملاءه، يخرج مرفوع الرأس، وواثق بنفسه وقدراته، ويعرف ماذا يريد، ويعرف مَن سيكون. فهو ؛ كالجياد الأصيلة تنطلق الى هدفها متخطية كل العقبات والعراقيل دون وهن أو وجل.

*********************************
بقلم، الكاتبة جميلة شحادة