كنوز نت -  بقلم الكاتبة أسماء الياس



تستطيع أن تصنع من الحب مستقبل باهر



كان سعيد كل يوم يأخذ كلبه حتى يتنزه بالبرية... سعيد هو الابن الوحيد لوالديه... وقد منت عليهم الحياة به بعد عشرة سنوات من العلاج... لم يتركوا وسيلة علاج إن كان علاج بالأعشاب او غيره... إلا وقاموا بتجربته... بعد طول عذاب وشقاء بشرها الطبيب بأنها حامل... لكن يجب أن تأخذ بالها من الجنين حتى يستقر الحمل ولا يعود عليه خوف... وكانت سليمة جدا حريصة على جنينها الذي ترجته من الحياة... وقاست من أجله الويلات... وبعد انتهاء أشهر الحمل... جاء سعيد للحياة يصرخ ويبكي... هل يا ترى كان يعلم بانه جاء لعالم قد مات فيه الحب... عالم يحارب بعضه البعض على أسباب تافهة... بل أكثر من تافهة... كانت فرحة والديه لا تقدر بثمن... بعد كل هذا الانتظار جاء سعيد حتى يملأ حياتهم سعادة وحب...

كبر سعيد في بيت محب... في بيت يقدر الحياة ويحترمها... كان والديه يخافون عليه أشد الخوف... فقد كانت والدته ترافقه حتى باب المدرسة... هناك كانت تتركه أمانة عند المعلمة... حتى انتهاء الدوام تأتي وتأخذه بيده... تعلق الوالدة بولدها جعلها حريصة عليه أشد الحرص... حتى أنهم بالعائلة قالوا لها هذا الخوف والحرص الشديد يضر بالولد... يجب أن تتركيه يواجه الحياة لوحده... حتى يتعلم كيف يدافع عن نفسه إذا اقتضت الحاجة لذلك... لكن سليمة كانت لا تستمع لكلامهم... وبقيت مصممة على مرافقة سعيد للمدرسة ولكل مكان يذهب إليه... خوفاً عليه من الأشرار المتربصين بكل مكان وكل زاوية...
ربما يكون خوفها معقول... لأن ما يحصل بعالمنا من أحداث وجرائم تجعلك غير آمن... مما يجعل أي أم تخاف على ولدها من الموت... وكيف وهو ولدها الوحيد... وقرة عينها... وهو نبض القلب... من دونه لا معنى للحياة...


كانت سليمة دائماً تفكر هل أنا مخطئة بحرصي الشديد على سعيد... حتى بالليالي كانت تنهض كل ساعة او ساعتين حتى تتفقد ابنها... هل هو نائم ومرتاح... هذا الوسواس جعل صحتها تتأخر... عندها نصحها الطبيب بالذهب للاستجمام بمكان هادئ... حتى ترتاح أعصابها من الضغط العصبي... وإلا سوف تصاب بانهيار عصبي... لكنها أبت ذلك... كيف تترك ولدها وحيد دون عناية... من يراقبه... ومن يأخذه للمدرسة...

حتى جاءت عمته وهي العمة الأكثر تفرغاً من الباقي.... زهرة التي رفضت كل عريس تقدم لها... لأنها لم تجد بكل الذين تقدموا لها أي توافق بالمشاعر... وهي التي تؤمن بالحب... وكانت تتمنى أن تتزوج من شخص يمتلك صفات فارس من فرسان العصور الوسطى... شهم يدافع عنها يحميها... تجد معه الحب الاستقرار... لكنها لم تجد تلك الصفات ولا بأي شخص مما تقدموا لخطبتها... لهذا فضلت العزوبية على زواج... حتى لو لقبوها عانس.... مع أنها تكره تلك الكلمة... التي تذكرها بانها شجرة لا تعطي ثمار... لكن رغم ذلك لم يكن يهمها هذا الكلام... لأنها تربت أن تكون مستقلة بحياتها... وهي الإنسانة التي تمتلك شخصية قوية.... جاءت إلى بيت أخيها بطلب منه... وكان أن لبت طلب أخيها التي تحبه وتخاف عليه.... وهي الأخت الطيبة الحنونة... عندما أخبرها بقصة زوجته... وكيف كان رأي الطبيب المعالج... الذي طلب منها أن تذهب برحلة استجمام... حتى تخفف من الضغط العصبي... لكنها رفضت بشكل قاطع... لا رجعة منه... لكن أنا أعلم مدى محبتها لك... تكلمي معها اقنعيها بأنك ستكونين الحارسة لابننا سعيد... لأن علي مرافقتها بهذه الرحلة... لقد أخذت إجازة من العمل... وذهبت وقطعت التذاكر... الليلة سوف أعلمها متى يكون موعد الرحلة... بذلك أكون قد وضعتها تحت الأمر الواقع... وهي تعرف بانها إذا لم تأتي معي وتسمع كلامي سيكون هناك زعل... وهي المرأة الحنونة التي تخاف على زعلِ...

لكن رغم تعنتها وخوفها على سعيد الذي لم يتعدى السبع سنوات... وبعد ان أقنعتها زهرة بضرورة السفر لمصلحة سعيد ومصلحتها... وحتى لا تنهار وتمرض... ويخسرها سعيد وهو بهذا العمر يحتاجها قوية صامدة... أخيراً اقتنعت لأنها وجدت كلام زهرة صحيح ومقنع...

وهكذا ذهبت سليمة مع زوجها عصام... الذي كان همه الأول والأخير راحة زوجته... لهذا طوال فترة الرحلة كان حريص أشد الحرص على أن تكون زوجته سليمة بكامل سعادتها...تنزهوا شاهدوا اجمل الأماكن... تناولوا الطعام بأجمل المطاعم على شاطئ البحر... كانت الرحلة بحق مفيدة... فقد استعادت سليمة صحتها... وعاد اللون لوجهها... وهذا البريق الذي انطفأ من عيونها... عاد ومعه عادت تلك الابتسامة التي كان عصام يشبهها لابتسامة الموناليزا.... بعد قضاء عشرة أيام بالتنزه والراحة عادوا للبيت مليئين نشاط وحيوية... استقبلهم سعيد بفرح أكيد... وأخبرهم عن كل المغامرات التي حدثت معه بالمدرسة... عندها بتلك الحظة التي كان سعيد يروي لوالدته بأنه لديه أصحاب بالمدرسة... وقد دعاهم للبيت... وكانت عمته قد حضرت لنا الطعام اللذيذ وصنعت قالب من الحلوى اللذيذ أيضاً... نظرت سليمة نحو ابنها وضمته لصدرها وقالت له حبيبي لقد كبرت...
هنا تأكد لها بأنها كانت مخطئة بحرصها الشديد...

واليوم علمت بان تربيتها لسعيد لم تذهب هدراً.... اليوم هو شاب بنظرها.... هكذا كبر سعيد في بيت محب يحترم الحياة...
لم يتوقف سعيد عن التعرف على أشياء خارج الصندوق... بل كلما كبر كبرت أحلامه حتى أصبح اهم طبيب... وتخصص بجراحة القلب... وداع صيته بكل البلاد وخارجها...

هنا تنتهي قصتي....
...