كنوز نت - كتب : د.محمد عقل  


 قرية المغار المهجرة- قضاء الرملة 


المغار بمعنى الكهف، وجمعها مغاور ومغارات. وما تزال في قرية المغار مغاور وكهوف وأكواخ منحوتة في الصخر.
عند الفتح الإسلامي كانت المغار قرية من قرى جند فلسطين، في العهد العثماني كانت إداريًا تابعة للواء غزة، ومنذ سنة 1932 أصبحت تابعة لقضاء الرملة، وثمة قرية أخرى تدعى مغار كانت تابعة لجند الأردن، وفي العهد العثماني تابعة للواء صفد، وهي قريبة من طبرية في الجليل وتسمى مغار حزور نسبة إلى الجبل الذي تقع عليه.

الموقع:

تقع قرية المغار على ثلاثة تلال كركارية على ارتفاعات تتراوح بين 50-87 مترًا عن سطح البحر، وهي على بعد 12 كم إلى الجنوب الغربي من الرملة، على الطريق العام الموصل بين غزة ويافا. في بداية حرب 1948 مرت بجانبها قوافل الهاغاناه القادمة من القدس عن طريق مستعمرة جديرا إلى مستعمرة روحوبوت ثم تل أبيب، يحدها من الجنوب قرية قطرة، ومن الجنوب الغربي قرية بشيت، ومن الشرق قرية شحمة، ومن الشمال الغربي قرية يبنا، ومن الشمال الشرقي قرية عاقر التي أقيم على أراضيها مطار عسكري بريطاني.


المغار في العهد الإسلامي:

يعتقد أن القرية تقوم على أنقاض "بعلة" الكنعانية. في صدر الإسلام كانت منازل لقبيلة لخم العربية. ذكرها ياقوت الحموي(ت: 1229م) في معجم البلدان، وقال عنها: "مغار بالفتح قرية من قرى فلسطين ينسب إليها المحدث أبو الحسن محمد بن الفرج المغاري، حدث عن محمد بن عيسى الطباع، وحدث عنه العتابي محمد بن قتيبة العسقلاني. ليس لدينا معلومات كافية عن المغاري المذكور، ولكن الطباع توفي سنة 224 هجرية والعسقلاني محدث فلسطين توفي سنة 310 هجرية/922 ميلادية، وبناء على ذلك يمكننا أن نستنتج أن المغاري عاش في القرن الثالث للهجرة/ التاسع للميلاد وليس كما ذكر مصطفى مراد الدباغ.

المغار في العهد العثماني:

 في العهد العثماني كانت المغار تابعة إداريًا للواء غزة. في الأرشيف العثماني وردت مقادير الضرائب المفروضة على قرية إمغار ، وقرية صميل المغار لسنة 1005 هجرية/1596 ميلادية على النحو التالي:

إمغار:

عدد الخانات (عدد دافعي الضرائب من المتزوجين): 22
نسبة الضريبة المجبية: 33،3%
مقادير الضريبة المجبية بالعملة العثمانية الآقجة:
_حنطة: 3000 آقجه
_شعير: 1400 آقجه
_أشجار فاكهة مختلفة وكروم: 1395 آقجه
_سمسم: 205 آقجات
يكون: 6400 آقجه
كيفية جباية الضريبة: 12 قيراط زعامة/12 قيراط حق عرب.

الآقجه: هي العملة الدارجة في تلك الفترة، وهي ثلث باره.

بناء على ما ورد أعلاه يمكننا أن نستنتج أن عدد سكان قرية إمغار تراوح بين 110-154 نسمة، وأن نسبة الضريبة بلغت 33،3 %. اعتمد السكان على الزراعة البعلية: حنطة(قمح) وشعير وسمسم، وعلى أشجار الفاكهة بأنواعها المختلفة كالعنب والتين. نصف الضريبة جباها زعيم محلي، والنصف الآخر كان حق عرب وجباه أمير لواء غزة من البدو. يبدو أنه أضيف مبلغ 400 آقجه حاصل رسوم العروس والغرامات المفروضة على الجنايات.

صميل المغار:

تقع قرية صميل المغار إلى الجنوب من قرية المغار وإلى الشمال من قرية الفالوجة. يبدو أن اسمها كان في فترة الحروب الصليبية صموئيل. نسبت هذه القرية للمغار لأن سكان المغار فلحوها بعد تحرير البلاد على يد صلاح الدين الأيوبي، أي أن سكانها جاءوا من المغار. وفيما يلي ما ورد في الأرشيف العثماني عن صميل المغار:

عدد الخانات( عدد دافعي الضرائب من المتزوجين): 31
نسبة الضريبة المجبية: 33،3%
مقادير الضريبة المجبية بالعملة المسماة الآقجه:
_حنطة : 2500 آقجة
_شعير: 1260 آقجة
_مال صيفي: 95 آقجه
_سمسم: 205 آقجه
_بادي هوا ورسوم عروس: 100 آقجه
_معيز ونحل: 290 آقجه
_ يكون(يكون): 4450 آقجه
_كيفية جباية الضريبة: زعامة 2 قيراط/وقف 20 قيراط /حق عرب 2 قيراط

استنادًا إلى المعلومات الواردة أعلاه يمكننا أن نستنتج ان عدد سكان صميل المغار ترواح بين 155-217 نسمة، أي أن سكانها زاد على عدد سكان المغار، وعلى ما يبدو هؤلاء جاءوا من المغار، لأن معظم أراضيها كان وقفًا. اعتمد السكان على الزراعة البعلية من قمح وشعير وسمسم وذرة وعلى تربية الماعز والنحل. البادي هوا ورسوم عروس هو رسوم العروس وحاصل المفروض على الجنايات.

زيارة القساطلي للمغار:

في الأول من أيار 1870 وصل الرحالة الدمشقي نعمان القساطلي إلى المغار وقال عنها في كتابه "الروضة النعمانية في سياحة فلسطين وبعض المدن الشامية ما يلي: "إن قرية المغار مبنية على مرتفع وبها نحو أربعين إلى خمسين بيتًا وحولها بساتين التين والعنب ويكثر فيها نبات الصبر". وهذا يدل على أن عدد سكان المغار كان يتراوح بين 200-250 نسمة.

المغار في الحرب العالمية الأولى:

          

في 13 من تشرين الثاني(نوفمبر)سنة 1917 جرت معركة حامية الوطيس بين الجيش البريطاني والجيش العثماني في قرية المغار. حاولت القوات البريطانية التقدم نحو السهل الساحلي والقدس، ولكنها جوبهت بنيران كثيفة من اتجاه تلال قرية المغار المليئة بنبات الصبار. في تلك المعركة خسر البريطانيون 16 قتيلاً و114 جريحًا معظمهم من كتيبة الفرسان. اضطر العثمانيون تحت ضغط سلاح الفرسان إلى الانسحاب إلى نهر العوجا(اليركون). كان لمعركة المغار أهمية استراتيجية كبيرة لأنها منعت العثمانيين من الاتصال بالقطارات مع الجبهة الجنوبية والساحل. في 9 كانون الأول 1917 سقطت القدس في يد القائد البريطاني اللنبي.

أراضي المغار:

كانت لقرية المغار أراض مساحتها 15390 دونمًا، تسرب منها 2659 دونمًا لليهود. غرس البرتقال في 1966 دونمًا منها 194 لليهود. كما غرس الزيتون في 22 دونمًا. عمل السكان في زراعة الحبوب مثل القمح والشعير والذرة والسمسم، كما اشتهر بزراعة الزهرة(القرنبيط) التي كانت تباع في سوق الرملة. في القرية بعض بساتين العنب والتين. ويكثر فيها نبات الصبار(الصبر).

عدد السكان العائلات:

كان في المغار في عام 1922م (966) نفرًا. بلغوا (1211)في عام 1931 وهم مسلمون ولهم 255 بيتًا. وفي عام 1945 أرتفعوا إلى (1740) عربيًا مسلمًا، ويُقدّر عددهم في عام 1948 ب(2018) نسمة، لهم 424 بيتًا. من عائلات القرية: جبر، الطويل، الهور، حمد، عبد، السراح، حمدان، مزهر، الراعي(الريماوي)، أبو عيسى، الجمال، أبو خليفة، أبو خاروف، الهندي، أبو خضرة، أبو شاهين، عويضة، أبو عبده، السلول، الخطيب، أبو إمحمد.كان في القرية مختاران: الأول سليم أحمد حمد، وعبد حسن الطويل فلما مات الأخير سنة 1940 عين مكانه ابنه عارف عبد الطويل، وهناك ديوان واحد.

التعليم:

في سنة 1930م بنيت في المغار مدرسة ابتدائية للصف الرابع. ضمت في أواسط الأربعينيات 190 طالبًا. يقوم بتعليمهم سبعة معلمين. تدفع القرية رواتب أربعة منهم. وللمدرسة مكتبة ضمت 300 كتاب. هذه المدرسة كانت تقع في ظهر البلد(في الجنوب). وكانت لها أرض مساحتها 22 دونمًا في السهل(في الشرق) أقيمت عليها عام 1947 بناية المدرسة الحديثة من حجر ، وكانت مكونة من ستة صفوف وبلغت تكلفتها 5000 جنيه فلسطيني كلها على نفقة الأهالي. بلغ عدد طلاب المدرسة الحديثة في عام النكبة نحو 200 طالب. هذه المدرسة نسفت بالديناميت على يد وحدات من لواء جبعاتي الصهيوني في مساء 28 آذار 1948.

أوقاف ومقامات:

كان مسجد في غربي البلد جرت فيه الصلوات وكان مكانًا للتدريس حتى بنيت المدرسة في سنة 1930. كان أمامه قبل التهجير الشيخ أبو حسن من دورا الخليل.
يوجد في القرية مقامان: مقام أبو طوق في شمال البلد على رأس جبل، ومقام حِبرة.

المغار في عهد الثورة:

في عهد الثورة كانت المغار تابعة لقيادة الشيخ حسن سلامة، ومدت الثوار بالغذاء والمال. من بين من انضموا إلى صفوف الثورة كان المناضل عبد القادر أفندي الراعي، وهو من وجوه المغار، استضاف في 30 تموز 1937 الشيخ فارس رشيد البوجي الذي ألقى خطابًا حماسيًا في يوم الجمعة في مسجد المغار(صحيفة فلسطين الأول من آب 1937). وقد ذكر الدكتور محمد عقل، في كتابه "سجل المحكومين بالإعدام في فلسطين في عهد الانتداب" عنه ما يلي: "عبد القادر الراعي من المغار قضاء الرملة، ثائر بارز، عمل تحت قيادة الشيخ حسن سلامة. في 29 أيلول 1938 قام مع عدد من الثوار بإطلاق النار على الضابط البريطاني الرقيب ستيفنس في محطة شرطة اللد ما أدى إلى مصرعه. شارك في العملية المذكورة كل من: عبد القادر الراعي من المغار(37 سنةا)، محمود مصطفى الزين من اللد(25 سنة)، عبد المعطي سليمان أبو شريحة من اللد(28 سنة)، محمد حمد حاج عرب من اللد(27 سنة)، والشاويش محمد يوسف سليمان حمدان من طلوزة(28 سنة). في 5 شباط 1940 حكمت المحكمة العسكرية في القدس على الخمسة بالإعدام بتهمة إطلاق النار على الرقيب المذكور والمساعدة على قتله. في 17 شباط 1940 تم تنفيذ حكم الإعدام في محمد يوسف سليمان حمدان من طلوزة ومحمد حمد حاج عرب من اللد في السجن المركزي (المسكوبية) بالقدس".(سجل المحكومين.. ص 101). يبدو أن حكم الإعدام قد نفذ في عبد القادر الراعي في وقت لاحق، إذ ثمة رواية شعبية تفيد بأن حكم الإعدام نفذ في المناضل عبد القادر مصطفى محمد الراعي الملقب بالريماوي.

(راجع: "نصير أحمد الريماوي، "قصة الشهيد عبد القادر مصطفى محمد الراعي-الريماوي"، موقع دنيا الوطن بتاريخ 11/8/2016).


في سنة 1942 داهم الإنكليز القرية، فعزلوا النساء عن الرجال على البيادر وراحوا يخربون الدور، فيخلطون القمح بالذرة والشعير والكاز بالزيت والسكر، وقد نسفوا بيتًا، واعتقلوا 10-12 من رجال القرية. في تلك الفترة كان في القرية مسلحون مدسوسون على يد الإنكليز مناهضون للثورة. ذكر الراوي حسين شحادة الطويل أن من بين الذين شاركوا في الثورة كان كل من محمد أبو غنيم، حسين جبابرة، محمد أبو زقلة، محمد الحاج الهور، بينما ذكر الراوي عبد الهادي الطويل عبد القادر الراعي الذي شنقه الإنكليز.

المغار في حرب 1948:

بعد قرار التقسيم بدأ أهل المغار بالسعي للحصول على السلاح الذي اشتروه من مالهم الخاص. فصار في القرية بين 50-60 بارودة. يبدو أن أفرادًا من السوريين التابعين لجيش الإنقاذ وصلوا إلى المغار. ورد في صحيفة هاآرتس وغيرها من الصحف العبرية أنه بعد ظهر يوم الأحد الموافق 8 شباط 1948 هاجم العرب بالقرب من المغار قافلة يهودية ترافقها مجنزرة، وقد أسفرت المعركة عن مقتل يهودي يقود سيارة تاكسي مصفحة كانت في المقدمة وعن جرح ثلاثة يهود آخرين. وقد فض الاشتباك بعد تدخل المجنزرات الإنكليزية التي كانت لا تزال في عاقر والمطار. في نفس اليوم قام اليهود بإطلاق النيران على السيارات العربية المارة في الشارع وجرحوا عددًا من العرب.

يشير الرواة إلى أن اليهود قتلوا موسى الطويل الذي كان يقود عرباية على الشارع وكان معه عبد الرحمن طه الذي نجح في الهرب. يبدو أن هذه الحادثة جرت في تلك الفترة.

كانت القوافل اليهودية القادمة من القدس تسير بطريق التفافية تمر بمستعمرة جديرا وبجوار المغار وقطرة وعاقر إلى رحوبوت ومن ثم إلى تل أبيب. لذا بقيت حرب المواصلات قائمة بين اليهود والعرب على الشارع الموصل بين غزة ويافا.


بعد ظهر يوم الأحد 28 آذار 1948 خرجت مجنزرتان من مستعمرة جديرا قاصدتين مستعمرة تل نوف، فلما وصلتا عند المغار انفجر لغم كهربائي في إحداهن فانفجرت بمن فيها واشتعلت، وكان فيها ثمانية مقاتلين يهود. وقد أصلى العرب المجنزرة بالرصاص فلم ينج أحد منهم، ويقال أن من بينهم مجندة يهودية واحدة. وقد أوردت الصحف العبرية أسماء القتلى الثمانية وأماكن دفنهم.

في مساء نفس اليوم قام اليهود بالهجوم على المدرسة الحديثة التي بنيت في السهل، ونسفوها بالديناميت، وكانت مكونة من طابقين، وقصفوا القرية بالمدافع.(راجع: لواء جبعاتي في حرب الاستقلال(بالعبرية)، ص 350 353)

كانت لمذبحة دير ياسين في 8 نيسان 1948كبير الأثر على أهالي المغار، وأثارت لديهم مخاوف شديدة.

في 10 أيار 1948 بدأ النزوح عن المغار، حيث أخليت القرية من النساء والأطفال إلى قرية يبنا وجيرة عسقلان، ولم يبق في البلدة إلا المناضلون.

في الساعة الواحدة من فجر 15 أيار 1948 هاجمت الكتيبة رقم 3 التابعة للواء جبعاتي القرية، في عملية اسموها عملية براك(البرق). قصفت المغار بالمدافع والرشاشات، وتقدم قوات الهاغاناه من جميع الجهات ترافقهم المجنزرات، فاضطر المناضلون العرب إلى الانسحاب. بقي في القرية نحو عشرة من الشيوخ وذوي الإعاقات، فقتلوا عند دخولهم القرية علي خاروف وهو ضرير، وأطلقوا سراح بعضهم، وبدأوا بغشيان الدور للبحث عن الذهب والأموال، ثم أشعلوا النيران في بيوت القرية، ثم نسفوها ما عدا أربعة بيوت. من الجدير بالذكر أن عدد بيوت القرية بلغ آنذاك 424 بيتًا. وتعرف القرية اليوم بحرش جيل(حورشات جيل)، ويكثر فيه نبات الصبار(الصبر).(لواء جبعاتي في حرب الاستقلال، ص 550 وما بعدها)
بعد نحو عشرة أيام احتل اليهود يبنا وجيرة عسقلان فنزح أهالي المغار إلى قطاع غزة ووصل قليل منهم إلى شرق الأردن.


كتب : د.محمد عقل