كنوز نت - كتب الدكتور سمير محمد أيوب

أحُبُّ الكِبارِ عَيْبٌ ؟


عشوائياتٌ في الحب – الثالثة



سألَتني مُستغربةً : لِمَ تُغيِّرُ ساحرَتَك ،وتشربُ بديلا عن قهوتِك خليطَ أعشاب ؟

قلتُ وأنا أحدّقُ في عينيِّ سائلتي: أعاني من بُحَّةٍ مُزعجةٍ في صوتي . فقالت مقاطعة وابتسامتها تتمدد : أما أنا يا صديقي ، فإن قلبيَ هو المبحوح .
سيدةٌ شابة في المرحلة الذهبية من عمرها ، شعرها الغجري ينادي أصابعَ عاشقٍ مُشاغب ، لابتسامتها همسُ الواثقِ وهَمْهماته . لم يأخذ قلبُها مِنَ الشَّيبِ إلا لونَه . أنوثتُها في ثقافتِها ، بأفكارها تستفزُّ المثيرَ للجدل . ولا تَكتملُ وشوشاتُها إلا بمحظوظٍ .
سألتها ما بالُ قلبُكِ مَبحوحاً هو الآخر ؟ .

قالت وهي تتنهد بعمق : آهٍ يا شيخنا من العمرِ في أواخِرِ العُمْر . إنه يمضي بِلا تمهُّلٍ ، مَرافِقي ومُرافِقي فيه صمتٌ مُخاتِل .
تَظاهرتُ بالعِبَط وأتْبعتُ سؤاليَ بسؤالٍ : كيف يا سيدتي ؟

قالت وهي تُحاذرُ النظرَ في عينيَّ : في كلِّ إنسانٍ تقدَّمَ بهِ العمرُ مِثليَ ولَمْ يتزوج ، وفي كلِّ أرملةٍ أو مُطلقةٍ ، إنسانُ آخر لا يعرفه جلُّ الناس .على وساداتِ ليلِهم حكاياتٌ ، لَوْ قيلت لانتحبَ كثيرون . تنهداتٌ ، إبتساماتٌ ودموعٌ ، تقولُ بلا تأتاةٍ ، أنَّ كثرةً منا يتجمَّلونَ بالتكاذب . تُحاصرُهم غِياباتٌ خرساء لها حضور . بدواخلهم تدورُ حروبٌ ، وتنهارُ مدنٌ ، تنطفئُ رغباتٌ وأمنياتٌ ، يبهتُ بريقُ عيونٍ أضنتها المقاومةُ والمُمانعة ، قبل أنْ تَسكنْ بالأدوية لنومٍ مُستعار .

أكمَلَتْ وكلَّ تلاوينِ الوجع تكسو صوتَها وتكتسح صفحات وجهها ، وغيمٍ عنيدٍ يُراقصُ مُقلتيها : يرقدون في الظلام وحيدين . العَتمُ وحده مَنْ يحدثوه بكلِّ ما فيهم . الظلمةُ وحدَها ونِيسُهم وأنيسُهُم ، يطالعون اللاشيء ، ويُنصتون لضجيجِ أصواتٍ في رؤوسهم ، يحفظونها عن ظهر قلب ، يُراكضونَها بأقدامٍ مبتورة ، والسنةٍ بكماء ، وشفاهٍ مزمومة . مع كلِّ صُبحٍ ، يُهمِلهم العابرون وهم ماضون . ومع زقزقة أوَّلِ عصفورٍ جافاهُ نومُه ، يَدفِنون حَزَنَهم كي لا يُشفق عليهم أحد . ومع أوَّلِ فناجيل قهوتِهم ، يحاولون الرقصَ وجِراحَهم مفتوحةً . يا شيخنا ، لم يَمُتِ الطينُ فينا بعد . والكلُّ يَركلُنا نحوَ آخر السطر ، في مَقبرةٍ تقتلنا بمنتهى الرِّقَةِ والدِّقَة .


كنتُ أحتضنُ رأسيَ بينَ كفيَّ ، مُطأطِئاً حُزْناً . رفعتَه لأعرفَ دواعيَ صمتِها المُفاجئ . خجلتُ منْ دمعِها . وتغيَّرَتِ ملامحُ وجهِها . أدرَكَتْ تأثُّري . تنهَّدَ تْ بما يشبه الرجاء : لا تَسلني عنْ شيءٍ . لأني نِيابةً عن كلِّ منْ ذكرتُ منَ النساءِ ومنَ الرجال سأسلُكْ .

وأمَهِّدُ لسؤاليَ ، بالتأكيدِ على أنَّ ظاهرَ مُعظمِنا مُنظَّم ، تفاصيلنا هادئة ، بعض إبتساماتنا مجففة وبعضها مبردة أو مُخلَّلة . لا تشي كثيرا ، بمقدار الوجع الذي يضمره ولائُنا ، لِمَنْ تعدَّدَت أسبابُ غِياباتهم . بالطبعِ ، ونحنُ نأخذُ نَفَساً عميقاً تِلوَ الأخر ، نعلمُ علمَ اليقينِ ، بأنَّ اللهَ ليس مسؤولا مباشرة ، عنْ حُشودِ أوجاعنا العالقة ، ولا عنْ ثرثراتِ الظاهرِ منْ حواسِّنا أو ما بَطَنَ منها . فالله لَمْ يُعطِنا شرائعَ ، مُخالفةٍ لعقولٍ وقلوبٍ سليمةٍ . جُلُّنا مُقْتنع بأنَّ الأصحَّ أنْ ندَعَ ما ذهبَ يَذْهبْ ، فلا يجوز لأحلامنا أنْ تبقى حبيسةَ زمنٍ ، أو وَهْمِ الصلاحية ، أو فوضى محاجِرِ الموروث ، أو وصايةَ ظالمٍ أو جَهول.
يترهل الوقت يا سيدي ويتشقق ، والصمت يصفعنا بظلالٍ باردة . ونحن نقتسم بعضاً من أنفسنا مع أنفسنا . رغم تراكم هزائمنا وضعفنا ، لا نريد من الحياة أكثرَ مِنّا . كلُّ ما في الأمر ، أننا في زوايا عُزلَتِنا ، قد اكتشفنا أنَّ بدواخلنا قلوبٌ يقظةٌ عاريةٌ ، تَتوقُ لِفرحٍ يُدَثِّرُها ويُزمِّل أرواحَها . تريدُ تبديلَ الألوانِ في حياتِنا ، فالحياةُ كما تعلمْ تشكو مِنْ شُحِّ الفُرص .

ولكنَّ الوحدةَ مع الكبرياء يا شيخنا وجعٌ أنيقٌ . ونحنُ لا نريدُ بالقطعِ ، شيئاً مُلطَّخاً بالرَّجاء مهما كان . فالرجاءُ وإنْ كانَ للحياةِ وحتى لوْ كان هادئا ، لا يُعوَّلُ عَلَيه . لا نريد أنْ نبدوَ كمَنْ غَفَوا على حلُمٍ واستفاقوا على وهمٍ أوعلى كابوس . ونُصرُّ على أنْ لا تكونَ صحوتُنا كصحوةِ أهلِ الكهف ، لا الزمانُ زمانُهم ولا الوجوهُ ولا الأرواح .

لا نريدُ في هذه المرحلة الذهبية من العمر ، أنْ نبتعدَ كثيرا عنْ أنفُسِنا ، ولا أن نُضيِّعَها أيضا . نتمنى تجاوزَ الظالمِ منَ صمتِ وقارِنا ، واجتيازِ الموهومِ مِنَ الحدود . جُلُّنا لا يدري يا شيخنا . مُدَّ لنا يدَكَ ، فهذا الليلُ قدْ أعْيانا وأضاعَنا .

قلتُ وكثيرُ الوجعِ يتجوَّلُ حائراً بدواخلي : هيَّا بتل إلى صالةِ الطعام ، فوقتُ العشاءِ قدْ حان . وتلكَ حكايةٌ طويلة ، ستكون إن شاء الله موضوعَ عشوائيتِنا الرابعة القادمة .