كنوز نت -  بقلم الكاتبة أسماء الياس


طفولة ما زلت أتذكرها...


وشباب غاب مني بزحمة الحياة.. وخريف جاء لكنه وجد الربيع مكانه فرحل لا يلوي على شيء...

هذه قصة حياتي...

ربما تكون قصة كل واحد فينا... عندما ولدت كنت أتمتع بصحة جيدة... رغم ضعف بنيتي... الذي جعلني أبدو دائماً أصغر مما أنا عليه... لكن الشيء الوحيد الذي أتذكره من طفولتي عندما كان يصيبني زكام رشح... كان يؤثر علي بشكل كبير... حتى أنني أتذكر كنت أدخل المشفى أسبوع أو أقل حتى أشفى تماماً... عدا عن ذلك بنيتي الضعيفة كانت مدار السخرية من نساء قريتي... لا أعلم لماذا كانوا يسخرون من ضعف بنيتي... ولماذا كانوا يستهزؤون مني وانا الطفلة البريئة... هل يا ترى كانوا بذلك يحاولون تحطيم شخصيتي... والمعروف عن العرب (يحاربون الناجح حتى يفشل) بينما الغرب (يدعمون كل من لديه موهبة ويحاولوا مساعدة كل من لديه قدرات خاصة.) لكن لم أكن أهتم لغمزاتهم ولا لكلماتهم التي كادت تحطم شخصيتي... وتجعلني طريحة الفراش... لكن كنت أتحايدهم ربما تلك البراءة التي كنت اتمتع بها هي التي ساعدتني... حتى أتجاوز الكثير من المصاعب والعقبات التي مرت في حياتي...
بفترة مراهقتي كان الكتاب رفيقي.. كان أبي يقتني قصص وروايات.. أدب عالمي مترجم أدب محلي... كنت أقرأ بنهم... لم أكن أكتفي بما يجلب أبي من كتب... بل كلما وقعت عيناي على كتاب عند أحد المعارف أو الجيران كنت استأذن منهم بأخذ الكتاب... وكنت اقرأه وحال أنهيت منه أعيده لأصحابه...
كانت القراءة بالنسبة لي حياة عالم واسع الأرجاء... كنت أعيش مع القصة بكل أحداثها كنت أيضاً أتخيل نفسي مكان البطل... كأني كنت أعيش معه وأمر بنفس التجارب التي يمر بها..
لذلك تكون لدي حب الكتاب منذ الصغر... وغير هذا أصبح لدي ثروة لغوية لا بأس بها... غير الموهبة التي أخذتها من الوالد فهو كاتب وشاعر... ولديه عدة إصدارات روايات قصص قصيرة شعر وسيرة ذاتية... تدرج بي العمر أنهيت الصف الثامن في مدرسة القرية... ولأن قريتي كانت تفتقر بذلك الوقت أن يكون بها مدرسة ثانوية... وكانت وسائل التنقل بها شبه معدومة... لذلك تعذر لي أن أنهي دراستي الثانوية... تركت الدراسة وانا في عمر الرابعة عشرة ربيعاً... لكن لم أترك نفسي هكذا طالعت الكثير من الكتب... وكنت أساعد والدتي في بعض أمور البيت البسيطة... مع أن لدي أختين اكبر مني... كانت مسؤولية مساعدة والدتي من نصيبهن... كنت المدللة بتلك الفترة من عمري... عندما أصبح عمري ثمانية عشرة عاماً ذهبت للعمل بإحدى مصانع النسيج في مدينة كرمئيل القريبة من قريتي البعنة... كرمئيل بنيت على ارض البعنة دير الأسد مجد الكروم صادرتها الحكومة لا أذكر بأي سنة لكن بذلك الوقت كنت صغيرة... عملت فترة صغيرة في المصنع وبعد ذلك تركت وعملت بمصنع آخر... كل فترة كنت أعمل بمكان سنة أو سنتين وأترك...
فترة شبابي كانت فيها شيئاً من الضبابية... لم اكن واعية مثل جيل اليوم ربما جيلنا كان ينقصه التوجيه... أن نجد اذن صاغية لمشاكلنا لتلك الأفكار التي نحملها... الوالد تلك الفترة كان يعمل حتى يعيل اسرته الصغيرة... وأمي كانت مشغولة بتربيتنا... والحياة لم تكن سهلة بتلك الفترة... مع أن كل أهل بلدتي يعيشون بنفس المستوى... لكن الشيء الوحيد الجميل الذي أتذكره بتلك الفترة تلك المحبة بين أهل البلدة الواحدة...
أتذكر كان لدينا جيران وتلك الجارة كانت تعتني بي عدما كانت أمي تغيب عن البيت... كانت تأتي لبيتنا وتقوم على رعايتي.. الى اليوم أتذكرها بابتسامة وحب...
عندما بلغت من العمر الواحد والعشرين... هذه الفترة كنت جميلة والحياة فاردة أمامي ذ راعيها... لكن الشيء الذي كان يزعجني بتلك الفترة... أني بدأت أشعر باختلاف... قدراتي بدأت تضعف... وبدأت أعي بأني مختلفة عن باقي بنات جيلي... لماذا أصبحت أجد صعوبة بصعود الدرج... لماذا أنا هكذا لم يكن لدي جواب... بعد فترة علمت بأن الذي يحصل لي سببه مرض وراثي ربما السبب كان زواج الأقارب ... لكن اتضح لنا بأن هذا المرض سببه أحد ما جلبه للعائلة لا نعلم بأي جيل...

رغم ذلك تعايشت مع هذه الحالة...
كانت والدتي دائمة الخوف علي... وكانت حريصة علي بشكل جعلتني أشعر كأنها تريد وضعي في زجاجة وتقفل علي الباب... حتى لا أتعرض للمضايقة... فقد كانت تعتقد بأن الحرص الزائد يجعلنا بعيديين عن أذى البشر... لكن هذا غير صحيح... لذلك خرجت أردت أن أتعامل مع الحياة بكل ما بها من تعقيدات... أردت أن أكون أنا من يصدم ويعود ويتعلم... أردت أن أجابه كل أنواع المشاكل... وأتعلم كيفية حلها... وإلا كيف لي أن أخرج للحياة دون أن يكون لدي سلاح أدافع به عن نفسي... وعندما وجدت والدتي بأني قد صممت على أن أكون مستقلة حرة وافقت... ولكن رغم موافقتها المبدئية... لكن عيونها لم تغفل عني... بقيت تراقيني عن كثب... لم يزعجني ذلك... لأن اهتمام الأم هذه غريزة موجودة بكل ام نحو أبنائها... في أحد الأيام جاء قريب للعائلة وهو يعمل بالتأمين الوطني.. تكلم مع والدتي بأنه يوجد مكان أستطيع أن أعمل به... وغير ذلك أستطيع تلقي مبلغ من المال من التأمين الوطني... غير المبلغ الذي سوف أتقاضاه نظير العمل... هنا فكرت لما لا وافقت بعد أن أقنعتني والدتي بذلك... وهذا ما حدث بدأت أعمل بذلك المكان الذي عملت به فترة لا بأس بها... مكان عمل للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة مثل حالاتي... مع أني رفضت بالبداية... لم أكن أريد أن أصنف بهذه الدرجة... كنت أعتز بنفسي... وكنت أرى نفسي بعيدة عن ذلك المكان... وبالفعل كانت والدتي صادقة عندما أخبرتني بأن العمل بذلك المكان سوف يعطيك استقلالاً مادياً... وسوف يكون باستطاعتي السفر لأي مكان أريد... وكان هذا حلم حياتي ان أسافر لكل مكان بالعالم... أنا أهوى السفر والتعرف على معالم جديدة... بدأت العمل... وبذلك المكان بدأت شخصيتي تتبلور وتتبدل... أصبحت أكثر انفتاحاً على العالم... وذلك الخجل الذي رافقني منذ الصغر بدأت اتخلص منه... عملت عشرين سنة الذي جعلني أترك ذلك المكان تعرفي على شخص يسكن في دولة مجاورة... دولة عربية... مع ان جذوره فلسطينية...
كان تعرفي به عن طريق إحدى مواقع الدردشة... بذلك الوقت لم يكن هناك مواقع تواصل اجتماعي مثل اليوم... والذي حصل بعد ذلك الصداقة تحولت لحب... أحببته نعم... أو خيل لي ذلك... تزوجته وكنت أحسب نفسي بأني سوف أعيش معه سعيدة... لكن بعد زواج استمر سنة ونصف تأكد لي بأن هذه الفترة كانت من أسوأ ما مر في عمري كله... كنت أظن بأنها مؤقتة.. لكن اتضح لي بعد ذلك بأنه إنسان كاذب... والكذب لديه كما قيل (مثل شربة الماء)... تركت بعد أن شعرت بأني عشت تجربة تعلمت منها درساً... عدت لبيت أهلي بقلب كسير.. وروح تعاني التمزق... عائلتي احتوتني نعم... من دون عائلتي أمي بالذات ما كنت تخطيت تلك الفترة الصعبة...
وحتى أخرج من الأزمة النفسية سافرنا أنا وأمي وأبي عند أخي الذي يقيم بالولايات المتحدة... وبالفعل هذه الرحلة كانت الدواء البلسم شفيت من أزمة كادت تقضي على حياتي... بعد عودتنا إلى البلاد كانت نفسيتي قد بدأت تهدأ وتعود كما كانت...
بعد ذلك اكتشفت في نفسي موهبة كانت مختبئة بمكان ما... ولولا دعم إنسان صديق اعتبره ابن عم... كلماته أعطتني دافع حتى ابدأ مسيرة الكتابة... والتي أثمرت اصدارين.. وبعد سنتين بالتحديد أصدرت كتابين قصص قصيرة والثاني خواطر رومانسية...
موهبة كانت منزوية بمكان ما بالروح... ظهرت عندما أشرقت عليها شمس الحرية... تلك الروح التي كانت بحاجة أن تنطلق خلف النور... وكانت الكلمة مفتاح لفرح كنت بحاجة له.. بل كنت بأمس الحاجة له... ما أجمل أن نكتب ما يعتمل بأرواحنا ما نشعر به... وما نصادفه في مسيرة حياتنا...
صحيح كل إنسان يمر بتجارب... أحيانا تلك التجارب تعطيه دعم إضافي... لكن إذا لم يعرف يستغلها تكون مثل صاعقة تقتل به حب الحياة... اليوم عندما أنظر للوراء أجد بأن كل الذي مر بحياتي... مجرد رتوش لم يكن لها كبير الأثر على حياتي... لأني سرعان ما شفيت وعادت حياتي تسير نحو الأفضل... والفضل يعود لي أنا... لأني عندما عزمت على هذا التغيير وجدت بأني قادرة... ومفتاح ذلك كان يكمن بقوة شخصيتي... بإرادتي وعزيمتي القوية.... اليوم أنا إنسانة مختلفة بكل المقاييس... حلمت أن أكون كاتبة... وها انا كاتبة... أصبح لدي اليوم أربع إصدارات... والحبل على الجرار... لقد وعدت نفسي... ما دمت أتنفس... وما دمت قادرة على الإنتاج سيبقى قلمي وقلبي يكتب ويعبر... عن هذه الأحاسيس الجميلة... من هنا كانت البداية....
...