كنوز نت - بقلم الكاتبة أسماء الياس


                                                                    

الحياة هدية لا تفرط بها


كل ما أرادت أن تعيش بأمان... بمكان لا تسمع فيه اطلاق رصاص... هكذا حدثت فدوى والدتها عندما كانوا مجتمعين على طاولة الغذاء... نظرت الوالدة سهام في عيون ابنتها فدوى وقالت لها... كل الحق معك يا بنيتي لقد مللنا حوادث الموت واطلاق الرصاص... يجب ان نتحرك قبل فوات الأوان... لكن كيف وإلى أين...
فدوى شابة جميلة متفوقة بدراستها... فهي تدرس موضوع المحاماة... وهي تريد أن تصبح قاضية تحكم بالعدل... لذلك اختارت هذا الموضوع لأنه الأقرب لقلبها... وهكذا تابعت فدوى تعليمها... وكانت أيضا تتابع كل الأحداث التي تمر بالبلاد... فقد كانت ناشطة سياسية تشارك بكل المظاهرات... وتعبر عن رأيها بشجاعة... لم يحدث يوماً وتقاعست عن اداء واجباتها نحو أهل بلدتها... فقد كانت دائماً تقول من لا يخاف على بلده هو إنسان لا يستحق الحياة... لهذا كانت فدوى محبوبة لدى أهل بلدتها... لأن رغم دراستها التي تأخذ منها الوقت الكثير... لكنها كانت تنتهز كل فرصة حتى ترشد مجموعة من الطلاب وتوجههم نحو الطريق الصحيح... ومع موجة العنف السائد بالبلاد... كان خوفها على هذا الجيل الصغير من أن يتشرب هذا العنف... لذلك كانت مهمتها الوحيدة تدوية كل ما يعود بفائدة لمصلحة هذا الجيل المتخبط... الذي لا يعرف ماذا يريد...
كانت الأحداث التي تمر بها البلاد... تجعلك تشعر بانه بالفعل لم يعد أمان... فقد كانت فادية تخاف على نفسها... وعلى أشقائها من موجة العنف... من الرصاص الذي أصبح يثير استهجان الجميع... لكنهم كانوا عاجزين عن حل جذري... حل يجعل الوضع يستقر... فقد كان الوضع بحاجة لثورة ضد العنف... ضد العصابات التي كانت تثير الخوف في قلوب الأهل... وكان إن وجدت فدوى بأن الحل الأمثل... أن نقيم ندوات ودورة ارشاد للشباب...
يجب على الشرطة تكثيف حملتها لجمع السلاح... ويكون على الأهل دور مهم وهو مراقبة أبنائهم... التشديد عليهم... عدم السماح لهم بالخروج لساعات متأخرة... والأهم من كل هذا أن نعمل مع الشرطة ونساعدها لأنها وحدها لا تستطيع ان تقوم بكل تلك المهام...

كانت هذه المهمة صعبة جداً على إنسان ما زال يشق طريقه... لهذا فدوى استعانت بعدة أشخاص شباب وشابات... كانت مهمتهم توزيع الاعلانات بكل الأحياء والشوارع... على السائقين.... وفي البيوت... وعندما أقيمت أولى الندوات... غصت القاعة بالشباب والأهل... جاؤوا حتى يستمعوا للمحاضر النفسي جميل زياد... الذي كان هو ايضاً دكتور وبروفيسور... فقد قامت فدوى بدعوته وهو رحب بهذه الدعوة بكل سرور....
ما اجمل الحياة عندما نجد فيها أشخاص محبين معطاءين... قلوبهم نقية نظيفة... ونفوسهم طاهرة... هكذا بدأت فادية كلمتها عندما قدمت البروفيسور جميل زياد... الذي كان اول المتحدثين... تحدث عن العنف.. وما هي الأسباب التي تجعل من الإنسان ينجر وراءه... هل التربية البيئة... أو كما قيل ( قل لي من تعاشر أقول لك من أنت) لكن السبب الرئيسي المسبب للعنف... هو افتقار مجتمعنا للمؤسسات التي من المفروض أن تحتوي هذا الجيل الضائع... نوادي رياضية... محاضرات تثقيفية... تربية دعونا نشدد على هذه الكلمة... البيت الأهل عليهم مسؤولية كبيرة... لماذا لا يسأل الأب ابنه من هم أصحابك... مع من تقضي وقتك... أين تذهب... عندما نربي أبنائنا على حب واحترام الغير.... لا يعود وقتها عنف ولا جرائم قتل....
بعد هذه المحاضرة أصبح التكاثف أكثر بين فئة الشباب... فكانوا يجتمعوا كل يوم حتى يتخذوا قرارات مهمة من اجل احداث تغيير... ربما ساعد هذا الشيء بالقضاء على العنف السائد في مجتمعنا... وكانت فادية هي إحدى الشخصيات المؤثرة بالبلاد... فقد أقامت جمعية تعنى بنهوض الشباب وتثقيفهم... ما اجمل أن نكون يداً واحدة وقلباً واحداً... من أجل استعادة انسانيتنا... ومن أجل زرع الحب بالقلوب... ومن أجل حياة أفضل...

داومت فادية على دراستها حتى أنهت تعليمها... وكان تخصصها بالجنايات... فقد كانت تريد أن تدخل هذا العالم حتى تكشف أغواره... وغير هذا أرادت أن تفهم لماذا ينجر الانسان وراء الجريمة... رغم أنه يولد بريء... هذا ما كان يشغل فكرها ويؤرق منامها...

حتى جاء اليوم الذي به استلمت أول قضية... وكانت هذه القضية بالنسبة لها امتحان... (يكرم بها المرء أو يهان)... درست كل حيثيات القضية بشكل جعلها متأكدة من براءة المتهم... من التهم المنسوبة له... فقد قال بأنه بساعة الجريمة لم يكن بالبلدة... فقد أحضر دليل قاطع على أنه بهذا اليوم والساعة كان بصحبة رفيقته يشاهدون فيلم سينمائي... والدليل تذكرة السينما... وصور قد أخذوها هناك... وكان برفقتهم مجموعة من الشباب والصبايا... وبعد ذلك ذهبوا لتناول العشاء بإحدى المطاعم المنتشرة على شاطئ البحر في مدينة حيفا... وبالصدفة كان هناك ساعة ورزنامة بالمكان وقد ظهرت بالصور... عندما التقطوها بذلك اليوم... وحتى يكون قرار المحكمة لا غبار عليه... استدعوا رفيقته وسألتها فادية عدة أسئلة... وكانت أجوبتها مطابقة تماماً لكلام المتهم... وهذا تمت تبرئة ساحته...
لكن بعد عدة ايام وتحقيق وبحث متواصل من الشرطة... تم القبض على المجرم الحقيقي الذي بعد التحقيق معه اعترف بالتهم المنسوبة له... وحكم عليه بالسجن المؤبد المشدد...

وهكذا كان كل نجاح لفادية هو نجاح لعائلتها التي تفتخر بها... وبكل انجازاتها... استمرت فادية تعمل بمهنتها... في إحدى الأيام تعرفت على فؤاد... الذي يعمل بنفس مهنتها... لكن تخصصه مختلف... فقد كان اختصاصه محامي قضايا بنوك... وكان زواجهم حدث مهم تحدثوا عنه بكل وسائل الاعلام... نشروا صور زفافهم بكل مواقع التواصل... وكان زوجها قد وعدها بانه سوف يساعدها... ويقف إلى جانبها حتى يتقدموا معاً ويكون لها السند والحبيب...
 فادية استلمت بعد ذلك الكثير من القضايا التي من خلالها كشفت عن الكثير من المجرمين الذين كانوا يؤرقون نوم الكثير... حتى قضوا معاً على العنف والجريمة...

أهدي هذه القصة لكل من خسر حياته نتيجة رصاص طائش... أو جريمة منظمة.....