كنوز نت - بقلم : د.محمد عقل


مرسوم مملوكي على باب كنيسة القيامة


ثمة أجماع لدى الطوائف المسيحية على أن كنيسة القيامة أنشئت على المكان الذي صلب فيه السيد المسيح وفيها قبر لمدة ثلاثة أيام ثم قام من بين الاموات وصعد إلى السماء.
عندما اعتنقت الدولة الرومانية المسيحية قامت أم القيصر قسطنطين القديسة هيلانة بتوسيع الكنيسة.
في سنة 618 ميلادية احتل الفرس فلسطين وخربوا كنيسة القيامة،
وفي سنة 628 ميلادية نجح هرقل قيصر الروم باستعادة القدس وقام بترميم شامل لكنيسة القيامة.

في عام 638 ميلادية قام الخليفة عمر بن الخطاب باستلام مفاتيح القدس من بطريركها صفرونيس وبذلك دخلت القدس في حوزة المسلمين. وقد كتب عمر بن الخطاب كتاب أمان لسكان المدينة وسمح للنصارى بحرية العبادة في كنيسة القيامة وامتنع عن الصلاة في تلك الكنيسة لئلا يطالب المسلمون بتحويلها إلى مسجد.

يروى أن الطوائف المسيحية كانت تتنازع بينها حول شرف فتح باب الكنيسة. ولتلافي الخلاف قرر عمر بن الخطاب وضع مفاتيح الكنيسة بيد عائلة مقدسية مسلمة هي عائلة جودة ومنهم آل غضية، وأن يفتح الباب واحد من آل نسيبة وهي عائلة أخرى مقدسية مسلمة. وثمة من رأى أن هذا النهج وضعه صلاح الدين الأيوبي بعد تحريره للقدس سنة 583 هجرية/1187 ميلادية. وهذا الحل لم يعترض عليه مسيحي واحد وبقي معمولا به في عهد الانتداب وحتى يومنا هذا، فلو أُجبر النصارى عليه لطالبوا بإلغائه.! كانت العادة أن يحضر رجل من آل جودة إلى باب الكنيسة ومعه المفتاح فيأخذه واحد من آل نسبية فيصعد في السلم ويفتح الباب، ثم يفتح الرهبان من الداخل الباب، فيتدفق النصارى إلى الداخل، وهكذا دواليك على مر الدهور والأزمان.

يرد اسم كنيسة القيامة في المراجع والنقوش العربية القديمة على صورة كنيسة قُمامة بدون أل التعريف. وقد برهن الباحث زكريا محمد في مقالة له بعنوان "أصل التسمية لكنيسة القيامة" على أن هذا الاسم مشتق من الفعل قمقم بمعنى علا وارتفع. والقمقام في اللغة العربية هو السيد الكثير الخير الواسع الفضل. وثمة عدد من الشخصيات البارزة في التراث العربي تسموا باسم قمامة ولا يمكن للمرء أن يعتقد أن أسماء هؤلاء كانت تعني الزبالة.

 ويخلص إلى القول إلى أن كنيسة قمامة تعني كنيسة السيد، أو كنيسة السيد المسيح. وأن هذا الاسم لا يحمل دلالات سلبية وإنما إيجابية.


يدخل الزوار كنيسة القيامة عبر الباب المسمى بالباب المقدس. أبعاد هذا الباب نسبيًا كبيرة حيث يتجاوز ارتفاعه الخمسة أمتار وعرضه ثرثة أمتار. نقشت على مقبضيه القديمين كتابات عربية ، فعلى المقبض الأيمن كتب : " أيها الزوار، متعوا رغبتكم، ادخلوا إلى بهجة الرب، إلى السماء المضيئة.. أم الكنائس". وعلى المقبض الأيسر كتب: " أيها الغرباء، ادخلوا إلى باحة الرب، إلى قبر الحياة حيث يعيش الفرح ويسود النور المقدس" .

 كما كانت الفرامانات/المراسيم/ السلطانية تنقش على رخامm وتلصق بجوار باب كنيسة القيامة. وفيما يلي نص الفرمان الصادر 9 محرم 919هجرية/16 ىذار 1513 ميلادية عن السلطان المملوكي الملك الأشرف قانصوه الغوري:

]/1/بسم الله الرحمن الرحيم المرسوم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الأشرفي السيفي أعلاه الله تعالى وشرّفه وأنفذه وصرّفه/2/أن لا يُكرهوا جماعة الرهبان النصارى والرهبانيّات الملكيين واليعاقبة بمُوجب ولا بخَفَر ولا يظلم عند دخولهم قُمامة القدس الشريف إسوة رهبان /3/ الكرج والحبوش ولا عند دخولهم إلى مينا يافا ولا عند خروجهم من يافا ولا في مدينة غزة ولا في رملة لُدّ الواردين من الرهبان والرهبانيات(..) من المذكورين/ 4/ في البر والبحر وكل ناحية لزيارة بيت المقدس مستمر حُكْمُ ذلك من تقادم السنين من غير إحدات حادث ولا تجديد مظلمة ومنع من يتعرّض إليهم بسبب ذلك أو في كمنيرهم(؟)/5/وهي تريتهم التي يدفنوا بها ولا يتعرض أحد إلى موتاهم ولا لنوابهم(؟) ومسامحة الرهبان والرهبانيات من طائفة الروم والقبط من الموجب بالأعمال المذكورة/6/في البسط والموسم على جاري عادتهم ومنع من يعارضهم في ذلك حَمْلاً في ذلك على ما بيدهم من المربّعات الشريفة السالفة والمرّبع الشريف الأشرفي الذي بيدهم/7/عند إنهائهم أنهم رهبان وأهل ذمة ومنقطعين وأن بيدهم عهدات وسجّلات ومربعات شريفة شاهدة لهم بذلك وسألوا كتابة هذا المرسوم الشريف/ 8/بذلك جميعه وأن يُنقش شرح ذلك برخامة وتُلصق بباب القمامة وليصير ذلك تذكرة بعدل مولانا المقام الشريف عزّ نصره على ممرّ الدهور والأيام صدقة عليهم عند تمثّل القس صفرونس/9/الراهب الملكي ورفعته لدى المواقف الشريفة فرُسم لهم بذلك بمقتضى القصة المرفوعة من الرهبان والرهبانات المشمولة بالخط الشريف حسب الأمر الشريف شرّفه الله تعالى وعظّمه/10/بتأريخ اليوم المبارك التاسع من شهر الله المحرم سنة تسع عشرة وتسعمائة والحمد لله وحده مُصلّيًا ومُسَلِّمًا على من لا نبي بعده.[(قراءة فان برشيم)

والتاريخ الهجري المشار إليه في آخر المرسوم هو 9 من المحرم 919 هجرية/الموافق 16 آذار 1513 ميلادية. أما سبب صدور هذا المرسوم فهو إعلان العفو عن رهبان الروم الأجانب وانتهاء الأزمة مع الفرنجة. وكان هؤلاء الفرنجة يحاولون كسر احتكار المماليك للتجارة مع الهند، فهاجموا مراكب المسلمين المحملة بالأخشاب في البحر الرومي واستولوا عليها، وقتلوا من فيها، وكانوا ينوون الاستيلاء على فلسطين للوصول إلى البحر الأحمر، وقد اتخذ السلطان قانصوه الغوري تدابير صارمة ضد التجار الإفرنج كما قبض على قناصلهم. في سياق ذلك تعرض للرهبان في كنيسة القيامة ولأموالهم، وألقى القبض على نحو عشرين منهم، وحملهم إلى القاهرة، وهدد بهدم كنيسة القيامة.

في ظل مساعي حل الأزمة أرسل ملوك الفرنجة الفرانسة(فرنسا)، وملك الفرنج البنادقة(البندقية) بمبعوثين يحملون الهدايا إلى سلطان مصر، يقول ابن إياس في بدائع الزهور: " وأشاعوا أن قاصد ملك الفرنج قد جاء يسعى عند السلطان في فتح القيامة التي بالقدس الشريف، وكان السلطان أغلق بابها ومنع الفرنج من الدخول إليها بسبب ما تقدم". على هذه الخلفية يمكن فهم المرسوم الذي كتبه السلطان قانصوه الغوري المذكور أعلاه.(ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور، الجزء الرابع، تحقيق محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1404 هجرية/1984، ص 185، 191-196، 205، 259)