كنوز نت - بقلم إبراهيم عبدالله صرصور



لماذا علينا ان نُسقط نتنياهو؟




تَعرَّضَ الوجود العربي الفلسطيني داخل إسرائيل منذ النكبة الفلسطينية وحتى الان إلى مسلسل لا ينتهي من الملاحقة والحصار والتنكيل والتمييز العنصري والقهر القومي، لكن المرحلة العصيبة التي تواجهنا اليوم في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، هي أكثر ما يعيد إلى ذاكرتنا صور النكبة من جديد..

(1)
التدهور المستمر الحاصل في العلاقة بين اسرائيل "اليهوديموقراطية" وبين المواطنين العرب الفلسطينيين الاصلانيين أصحاب الأرض الشرعيين، والتي ازدادت ملامحها قتامة في ظل حكومات نتنياهو منذ العام 1996، والتراجع الخطير في مسار القضية الفلسطينية التي يوشك نتنياهو ان يوجه اليها الضربة القاضية في ظل الانهيار العربي والدعم الأمريكي والانقسام الفلسطيني، كلها "تبشر!" بمرحلة جديدة هي الأكثر خطورة في تاريخ الدولة والمنطقة، هذا التدهور يجب ان يضيئ امامنا ضوءا احمرا خطيرا..

من الواضح ان نتنياهو وحلفاءه من اليمين المتطرف و "الكهانيين" (نسبة الى مئير كاهانا مؤسس حزب "كاخ" الأكثر عنصرية وعداء للعرب، قتل في نيويورك عام 1990)، وصلوا الى قناعة ان كل مشاريعهم ل "تطويع" الجماهير العربية الفلسطينية من جهة، وشطب القضية الفلسطينية بكل ملفاتها عن اجندة الاهتمام العالمي من جهة أخرى، قد باءت بالفشل الذريع رغم كل الظروف المحيطة التي تخدم المشروع الصهيوني بشكل غير مسبوق.. لذلك انتقل هذا التحالف اليميني بزعامة نتنياهو الى تنفيذ النموذج الجديد من الخطة "د/دالت" (خطة وضعتها منظمة الهاجاناه الصهيونية في فلسطين بين خريف 1947 وربيع 1948، كان الهدف منها انهاء الوجود الفلسطيني في فلسطين فعليا بكل الطرق، بما في ذلك التدمير والقتل والإرهاب، وهي التي أدت الى النكبة في نهاية المطاف بكل فصولها المأساوية).. خطة "د" الجديدة تهدف الى ذات اهداف الأولى ولكن بطريقة جديدة أكثر عصرية، لكنها مساوية للأولى بشاعة وعنصرية وعداء وهمجية..

(2)
تقدم المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل كثيرا، وحقق قفزات نوعية في أكثر من مجال، دلت كلها على ان مجتمعنا يتمتع بحيوية مميزة استطاع بها – بعد توفيق الله – من الانتصار على خطط إسرائيل المتعلقة بالوجود، وما زالت المعركة مستمرة لانتزاع الحقوق ابتداء بالاعتراف بهويتنا الوطنية، وليس انتهاء بحقوقنا الجماعية القومية.. نجحنا الى حد بعيد نسبيا في المزاوجة بين مشروعنا القومي/الوطني الذي يتمسك بالهوية والمرجعية الدينية والوطنية حتى النخاع، وبين ضرورة الالتفات الى الهَمِّ اليومي من غير تفريط بأي من الثوابت.
من هذا المنطلق نجح مجتمعنا العربي الفلسطيني داخل الكيان العبري، خوض معركته على اكثر من مسار بشكل متزامن، بدأها بتعزيز الوعي الشعبي واطلاق الإرادة وتحدي الواقع الصهيوني، وعدم المساومة على الثوابت وتعزيز الكبرياء الديني والقومي، مرورا ببناء المؤسسات الوطنية كلجنة المتابعة العليا للجماهير العربية وهي برلمان جماهيرنا العربية التي تجمع تحت سقفها كل أطياف المجتمع العربي وفعالياته، واللجنة القطرية لرؤساء البلديات والمجالس العربية (الحكم المحلي)، وتشييد منظمات المجتمع الأهلي عالية التخصص في كل المجالات، وبناء حياة حزبية وحراك سياسي/ديني/ثقافي مميز، وليس انتهاء باستثمار كل المسارات النضالية: شعبية وقانونية وإعلامية، محلية ودولية، في سبيل تعزيز حراكنا الداخلي ونضالنا المشروع ضد سياسة حكومات إسرائيل المتعاقبة..


(3)
كيهودي نشأ في عائلة تحمل فكريا قوميا صهيونيا – يهوديا متطرفا، بدأت ملامح شخصية نتنياهو تتشكل مبكرا على ما يبدو، وبدأت هذه الملامح في اخذ شكلها النهائي مع بدايات دخوله المعترك السياسي ممثلا لبلده في الأمم المتحدة، وكعضو في وفد إسرائيل برئاسة شامير في مؤتمر مدريد، وبعدها وزيرا للمالية في حكومة اريئيل شارون.. لم يُخْفِ نتنياهو عبر هذه المحطات آراءه في مسألة إسرائيل وفلسطين في جزئيتها المتعلقة بنا كجماهير عربية ظلت متمسكة بأرض وطنها تحت الحكم الإسرائيلي منذ العام 1948، او في جزئيتها الأخرى المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية في الاستقلال وكنس الاحتلال.. ما زلتُ اذكر كلماته في "مؤتمر هرتسليا" السنوي الاستراتيجي قبل سنوات، والتي عبرت عن موقفه المعادي لنا كمجتمع عربي فلسطيني في الداخل، اذ قال: "ان مشكلة اسرائيل الديموقراطية هي عربها وليس عرب فلسطين"، محذرا من ان نسب تكاثرنا ستُفقد إسرائيل هويتها واكثريتها الصهيونية اليهودية خلال عقود قليلة.. لم تقتصر مواقفه عند عتبات التخوفات الاستراتيجية كما يسميها، بل بدأ كوزير للمالية بتنفيذ خطة تهدف الى المس بحقوقنا كعرب كالمَسِّ بمخصصات التأمين الوطني، وفتح ملف أسباب كثرة الأولاد في منطقة النقب بالتحديد وأسبابها، وغيرها من الإجراءات المصنفة دوليا "عنصريةً" بلا نزاع..

حدد نتنياهو أهدافه داخليا وإقليميا ودوليا بكل وضوح منذ تسلم منصب رئيس الوزراء ابتداء من العام 2009 وحتى الآن.. من اجل ان يحقق هذه الأهداف دون "منغصات" او "معيقات"، اختار حلفاءه بعناية فكانوا مزيجا من الأحزاب المتدينة الأصولية (الحاريديون) كحزبي "شاس" و"يهدوت هتوراه"، والمتدينين الصهاينة كحزب "البيت اليهودي" الاستيطاني، والقومي العلماني كحزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة افيغدور ليبرمان.. أبدى نتنياهو استعدادا للذهاب بعيدا في التنازلات لحلفائه الأصوليين المتدينين على المستوى الداخلي متجاوزا وضع "الستاتوس كفو" الذي كان الحاكم للعلاقة بين الدولة وبين المتدينين منذ قيام الدولة، بدرجة اثارت عليه حلفاءه العلمانيين كأفيغدور ليبرمان، وحتى أعضاء في حزبه الذي رأوا في حملة البيع بالجملة التي يقودها نتنياهو تهديدا لحزب الليكود ومصداقيته امام أوساط واسعة من الإسرائيليين العلمانيين المؤيدين.. اما على المستوى الخارجي فقد استسلم نتنياهو تماما – ما عدا اختلافات تكتيكية – لحلفائه المستوطنين الذين دفعوه الى العمل الجاد والمنهجي بهدف اغلاق الملف الفلسطيني تمهيدا لبسط السيادة الإسرائيلية على75% من مساحة الضفة الغربية بعد ان احكم قبضته الى القدس وما حولها بشكل كامل تقريبا.. يأتي تصريح نتنياهو هذا الأسبوع ببسط السيادة الإسرائيلية على منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت بكاملها، وكذا الكتل الاستيطانية، إضافة الى خططه بخصوص الخليل التي اقتحمها مؤخرا معلنا "ابدية" السيادة الإسرائيلية على الخليل المقدسة حسب تعبيره، أوضح دليل واصدق شاهد على ما ستؤول اليه الأمور في حال فاز نتنياهو بالمنصب في تاريخ 17.9 الجاري..

أما بالنسبة الينا كمجتمع عربي فلسطيني في الداخل فقد شهدت السنوات العشرة الأخيرة لحكم نتنياهو تصعيدا خطيرا على مستوى التشريعات العنصرية والتي بلغت المئات، من أهمها: أولا، "قانون القومية" الذي يعلن عدم اعتراف إسرائيل بأي صلة دينية ووطنية وقومية بيننا كجماهير عربية فلسطينية وبين وطننا فلسطين، ويعتبرنا مجرد رعايا يجب ان "نمتن" لإسرائيل على ما تعطينا من فتات لا يستند الى قانون وإنما يعتمد على "إحسان!!" "السيد الإسرائيلي!!" "صاحب الوطن!" الذي لا يشاركه في هذا الوطن أحد.. قانون القومية قانون فاشي بكل المعايير، فهو ينتقل بالعلاقة بيننا وبين الدولة التي نحمل جنسيتها (كرها) منذ العام 1948 من مطالبتنا ب – "احترام!!" القوانين مهما كانت عنصرية، إلى مطالبتنا ب "احترام" الأيديولوجية الصهيونية التي تنفي وجودنا ولا تعترف باي حق وطني او قومي لنا في وطننا وعليه.. كما ينتقل بواقع الصراع الشرق اوسطي من صراع حدود الى صراع وجود، لا يعترف بموجبه الجانب الصهيوني بالرواية الفلسطينية بكل تفاصيلها، ولا يعترف أصلا بوطن اسمه فلسطين، وبشعب اسمه الشعب الفلسطيني.. يعترف القانون فقط بالرواية الصهيونية وبشعب واحد وهو "الشعب اليهودي!!".. ثانيا، قانون “كمينيتس" الذي جاء بدوره ليكمل ما جاء به قانون القومية، من خلال استهدافه لكل مقومات مجتمعنا العربي الفلسطيني من حيث الأرض والمسكن والاقتصاد ومناطق النفوذ ومسطحات البناء والخدمات، والقدرة على التطور الطبيعي أسوة بالمجتمع اليهودي الذي يتطور بشكل فلكي يترك وراءه مجتمعنا العربي كأحياء فقر ملتصقة بحواضر تسبقنا سنوات ضوئية تقدما وتطورا وازدهارا..

(4)
تشكل القوانين العنصرية ومنها "القومية" و "كمينيتس"، الغطاء الشرعي الذي منح وزارات حكومة نتنياهو المساحة الواسعة بلا حدود للتضييق على مجتمعنا العربي وبالذات في القضايا ذات العلاقة بالمجالات الحيوية لهذا المجتمع وعلى رأس هذه القضايا: أولا، الامن الشخصي والجماعي في مواجهة العنف والجريمة التي تغذيه دوائر إسرائيلية امنية وغيرها دعما مباشرا او غضا للنظر، وتعمد عدم اتخاذ الإجراءات القانونية ضدها اسوة بالمجتمع اليهودي. من المهم هنا الإشارة الى أن وزير الامن الداخلي الحالي (غلعاد اردان) يعتبر بجميع المعايير من أشنع وزراء الامن الداخلي الذين مروا على إسرائيل، واكثرهم تطرفا وحقدا على كل ما هو عربي. ينعكس هذا بوضوح في سياساته المستهترة بمصالح المواطنين العرب وبدمائهم، واستخفافه بكل ما يتعرض له مجتمعنا من تحديات امنية. ثانيا، الأرض والمسكن وهي واحدة من القضايا الساخنة التي بدأت تشكل عاملا ضاغطا قد يؤدي الى هجرة الأجيال الشابة من البلاد، وهو ما يسعى اليه نتنياهو كما يبدو.. إصرار حكومة نتنياهو على سياسة الهدم والتدمير لمئات البيوت السكنية والمحلات التجارية العربية سنويا، بدل الانخراط في تخطيط ممنهج لتطوير المجتمع العربي والمصادقة على خرائطه الهيكلية التي تستجيب للاحتياجات الحقيقية وليست الوهمية لهذا المجتمع، والإبقاء على بُناه التحتية الخدماتية والصناعية والتجارية متخلفة عن مثيلتها في المجتمع اليهودي، دليل واضح على انحطاط الايدولوجية الت يحملها تجاهنا كعرب.

(5)
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فقد بات واضحا ان نتنياهو اطمان تماما الى أن الطريق بات مفتوحا امامه لتحقيق حلمه في إقامة دولة "إسرائيل الكبرى" على كامل تراب فلسطين التاريخية من البحر الى النهر، ومنح الفلسطينيين حكما ذاتيا فقط بلا حقوق سياسية او وطنية او سيادية.. ساعد الوضع العربي المنهار، وانحياز إدارة ترامب الكامل، والانقسام الفلسطيني مع تمسك سلطة رام الله بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، ساعد كل ذلك نتنياهو على المضي بشكل غير مسبوق في تحقيق السيطرة الكاملة لإسرائيل على كامل التراب الوطني الفلسطيني وانهاء وَهْمِ حل الدولتين، والنأي عن وَهْمِ حل الدولة الواحدة، الأمر الذي يمهد لقيام نظام ابرتهايد جديد يمارَس فعليا على الأرض، يولد من جديد بهد سقوط نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا.. اقنع نتنياهو نسبة تجاوزت ال -70% من الإسرائيليين حتى من معارضيه ان إسرائيل ليست بحاجة الى سلام يفرض عليها تنازلات استراتيجية من اجل ان تعيش بسلام. انها بحاحة فقد الى فرض سياسة الامر الواقع بشكل يضطر العالم الى التسليم بهذا الواقع بديلا عن الشرعية والقرارات الدولية ذات الصلة بفلسطين وغيرها كالجولان مثلا..

(6)
وأخيرا، جاءت تصريحات نتنياهو ضدنا كمجتمع عربي فلسطيني في الأيام الأخيرة لتضع المسمار الأخير في نعشه، او هكذا ارجو وأتمنى، فقد انتقل بكل وقاحة من: "بيبي جيد لليهود"، الى "انهم يتدفقون الى صناديق الاقتراع"، ف – "العرب زيفوا الانتخابات"، و " العرب يسرقون الانتخابات" وأخيرا وليس آخرا " العرب يريدون القضاء على الدولة"....

(7)
كيف يمكن لبعضنا بعد هذا وغيره الا يخرج "شاهرا" صوته دفاعا عن وجوده وعقابا لعدوه؟!!!