كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن



تركي عامر الصوت الشعري الجليلي الغاضب


تركي عامر ، ابن بلدة حرفيش الجليلية ، من الأصوات الشعرية والادبية المهمة الجادة ، عرفناه في اواخر السبعينات والثمانينات من خلال المنابر الاعلامية والثقافية في بلادنا ، وكانت البدايات في صحيفة " الأنباء " ومجلة " صدى التربية " ثم في مجلة " الشرق " وصحيفة " الاتحاد " ومجلات " الجديد " ، و " المواكب " و" الاسوار " وغيرها من المجلات والدوريات والملاحق الثقافية . 

تركي عامر يكتب الشعر بالفصحى والمحكي ، بالإضافة للمقالة النقدية الساخرة ، عمل مدرسًا لموضوعي الخدمة الاجتماعية واللغة الانجليزية حتى العام 2000 ، ثم عمل امين مكتبة في المدرسة الاعدادية والثانوية ببلدته ، بعدها انشأ موقعًا الكترونيا اطلق عليه اسم " ورقستان " ، ومنذ سنوات متفرغ للأدب والكتابة ، وينشر كتاباته على صفحته الفيسبوكية وفي عدد من المواقع الالكترونية .

ولتركي عامر العديد من المؤلفات والاصدارات والاعمال الشعرية والنثرية ، نذكر منها : " ضجيج الصمت ، نزيف الوقت ، استراحة المحارب ، فحيح الضوء ، من مواخذ الروح ، سطر الجمر ، لن اعود الى المرعى ، أكل الولد التفاحة ، العائلتقراطية – مداخلات في الاجتماع والسياسة ، صباح الحبر – مداخلات في الأدب والثقافة ، صواريخ عابرة للقرارات " .

تركي عامر شاعر غاضب ، وصوت صارخ في البرية ، وفارس من فرسان اللغة العربية ، يتمتع بذائقة ادبية وثقافة موسوعية شاملة ، وصاحب مخيلة خصبة واسعة ، وجواد شعري جامح يحاكي الوطن وهمومه ، ومنحاز لجموع المعذبين في الأرض ، ويطرق في قصائده الشعرية ونصوصه النثرية موضوعات من واقع الحياة ، وهموم السياسة والمجتمع ، والمأساة الفلسطينية وجراحات الوطن واوجاعه وعذابات ناسه المسحوقين .. لنسمعه يقول عن نفسه :

بلا غَرَض إديولوجيّ مُسَمَّى
أحبّ الحياة وأكره الموت
أحاول بدم القلب خربشات
على ورق الرّوح
أقرأ كلّ ما تقع عليه عيني ويدي
وأكتب أقلّ من القليل بكثير
أحبّ السّفر والأنثروبولوجيا
أحلامى الصّغرى والكبرى
تتلخّص في مشهد واحد أحد
كرتنا الأرضية الطّيّبة
ترفل بعباءة من حرير سلام
وترقص على لحن محبة
يسيل من دفاتر غيم دافئة
ليغسل شبابيك الرّوح
حتّى الينابيع

قصائد تركي عامر تخلو من التكلف والصناعة اللفظية ، وتتسم بالطوابع السياسية والوطنية والاجتماعية والمواقف الانسانية الغاضبة المتمردة .
وفي دواوينه الشعرية نلتقي شاعرًا ملتزمًا أبيًا أصيلًا ، شاعر الصدق والوثبة ، شاعرًا مقاتلًا ومحاربًا بالكلمة والقصيدة والموقف الجذري الثابت ، شاعر يعانق الجرح ويسكن الالم والوجع والهم الفلسطيني والإنساني ، مرفرفًا في فضاءات وسماوات الابداع والالهام والتوهج الشعري .

ورغم شفافية نصوصه إلا أنها محملة بدلالات متعددة ، ومشحونة بأفكار عقلانية نيرّة ، وتعبوية متقدمة ، يبدع في سكبها ونسجها بقالب نثري ، وبلغة شعرية رشيقة وحيّة ، مازجًا بين الرمز الشفاف ، وشعرية الاداء ، ورقة النبض والاحساس .

وتنضح قصائد تركي عامر بالإرهاصات اللغوية الايقاعية ، منتشيًا بالبوح والتحليق ، شفافًا ومتزنًا على مستوى اللفظ والصور والايحاءات والاستعارات والمحسنات البلاغية ، ويشدنا إلى نصه وهو يمتطي صهوة النشيد بكل خصائص التجربة وحرارتها ، فتخرج كلماته من بين سجايا اللحظة الشعورية ، مفعمًا بالمشاعر الجياشة الحالمة ، والرؤية الفلسفية ، ومسكونًا بهاجس الوطن وقضاياه المصيرية ، ومعبرًا عن الهموم الذاتية والجماعية :

لِفُ الإكسيرِ: إمامٌ
إِلاّ منتصبًا لا يركعُ قُدَّامَ المحرابْ.
والكافُ: كتابٌ مِن وردٍ،
لا تُفتحُ سيرتُهُ
إِلاّ مِن خلفِ حجابْ.
والسّينُ: سؤالُ السُّكَّرِ يسكنُهُ السّمّاقُ، سلالتُهُ
سببُ الأسبابْ
والياءُ: يئنُّ/ يموءُ ذهابًا كي يحيا،
ويعنُّ/ يموتُ إِيابْ.
والرّاءُ: رحيقُ الرّغبةِ يُدْخِلُهُ،
مِن دونِ حسابْ،
جنّاتٍ ما وردَتْ في أيِّ كتابْ.

وما يميز القصيدة العامرية العمق والكثافة الشعرية والصور المزدحمة والخيال الشاسع الامين على الواقع ، وذات سبك متين وبناء فني سليم ومفردات مدهشة .

ويمكن القول ، تركي عامر شاعر متمرس يمتلك أدواته ، ومكتنز باللغة ، يحافظ على عناصر القصيدة والخلق والابتكار الشعري ، ويكرس شعره للوطن والأرض والانسان والجمال والحلم والحقيقة والثورة الطبقية .

فأطيب التحيات للصديق الشاعر والناثر والناقد تركي عامر ، والتمنيات له بالحياة المديدة الزاخرة بالعطاء والابداع والنشاط الثقافي ، وبانتظار المزيد من كتاباته واصداراته .