كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن



الشاعرة أميمة رفيق جبارين بين المد والجزر


استفزتني عيناكَ  
حملتني الى الكتابة
القٌ شعّ من العينين الصغيرتين
فأدركت أن للزمن اضافة ..!!
هجرني الربُ
فغرسوا اصابعهم في جرحي
ذهلوا ما زال نسغُ النار في دمي .؟!
أحبكَ بصمت
وأذوب بصمت
وكلما حاولت اغتيالك بين ضلوعي
يتأبى ويستعصي الموت
عرفتُ دائما انكَ آتٍ
بشيرَ عذابٍ
وقنديلًا لا ينضُب له زيت ..!!
يا دنُنا الممتلئ بؤسًا
هل مسَم عيسى مرة ؟!
وهل مرت في نواحينا
افراح كأفراح قانا ؟!
اية ريح حيلت حبلت بي الف عام ؟!
ريحُ حرام ..
حركتها اجنحة الغربان
فأجهضتني بين حبالك السوداء
آه ... من يردم الهوة؟!
من يرفع هذا الحزن عني ؟!
من استحضرني من عالم الكهوف الملونة

ورماني في عالمكم الضيق كخرم ابرة ؟!
من سلبتي شعلة النار
واشجار الحنّة ؟!
من ادمى كتفي ولعنني ؟
يا اللـه ما اثقل الصخرة ...
احتاجك
لأكسر حد الغربة
لأحطم تعنت الصمت
احتاجك
بحرًا كبيرًا لنهري
مصبا لمتاهات روحي
احتاجك
لأرى معالم َ الطريق
لئلا اتيه
لئلا اموت ..؟!

هذه قصيدة قديمة للشاعرة الفحماوية الصديقة أميمة جبارين ، بعنوان " بين المد والجزر " ، وجدتها بين أوراقي المطوية المدفونة في جوارير مكتبتي ، كانت قد نشرتها في صحيفة " الاتحاد " العريقة ، في عددها الصادر يوم الجمعة الثامن والعشرين من نيسان العام 1995 . وهي قصيدة رومانسية عفوية منسابة عبقة وذات شفافية لامعة ، تزخر بعلامات السؤال والاستفهام ، وغريقة بالوجد والمؤانسة والبوح الوجداني المرهف الشفيف ، ونبض الروح ، والحزن الذي ينتابها من بؤس الحال والواقع الاجتماعي الذي يسلب الأحلام ، وحظ الخيال الشاعري فيها كبير .

وفي القصيدة مناداة ومناجاة روحية لمن تحبه بصمت ، خوفًا من عادات وتقاليد المجتمع الذكوري ، وتحتاجه لتكسر حد الغربة وتحطم تعنت الصمت ، وترى معالم الطريق كي لا تتيه فيه وتلقى موتها .

أميمة رفيق جبارين كتبت قصيدتها بإحساسها المرهف الطاغي عليها بلغة القمر بكل ما فيه من أسرار ، وبلغة الورد بما فيها من عطر ونعومة وشفافية ، وبلغة الحساسين التي تغرد في الصباحات الندية ، وبلغة المطر الذي يبلل روحها الظمآنة العطشى للحرية والانطلاق ، مكتنزة بالحب والجمال والخير .

ومن نافلة القول أن قصيدة أميمة فيها شعرية عالية ، صففت جماليتها وفنيتها عن لغة تعبُّ مجازاتها باستعارات عاطفية مشحونة بلهيب الروح والوجدان ، وبصياغة متماسكة ، والفاظ رقيقة ناعمة وعذبة ، وجملة مكثفة ، وصور شعرية دفاقة نابضة بحرارة التجربة ، وايقاع مموسق ، وقودها الحس العفوي الضارب في العمل الجمالي الفني والإنساني .

أميمة رفيق جبارين لها الكثير من النتاج الشعري الموسوم المميز بأسلوبها الرقيق المختزل المختزن الذي لا يستغرق وقتًا طويلًا ، لكن يقف القارئ طويلًا عند الإبحار في فضاءاته وخيالاته ودلالات معانيه ، فهو قليل كثير ، وسهل ممتنع ، ممتلئ بالرقة الأنثوية ، وينفذ إلى القلب من غير جواز مرور .
وأممية رفيق جبارين تعيش في قصيدتها حالة وجد بين مد وجزر ، وتعبر عن انفعالاتها وعواطفها الداخلية الجياشة بصدق شعوري بعيد عن التكلف والصور التركيبية .

لقد استمتعت وأنا أغوص وأتغلغل بين حروف قصيدة أميمة جبارين ، لما فيها من إحساس وجداني ، وومضات تصويرية وتعبيرية ، وما تحتويه من رؤى جمالية ، وخيالات بعيدة المدى ، والمفعمة بالحيوية بروح شعرية خالصة ومتواصلة مع الوجدان ، بأكبر قدر من التكثيف والإيحاء ، مع رشاقة المفردات وتزاحمها بالكثير من المعاني الجذابة الخلابة ، والايقاعات المتسارعة في بعض الأحيان ، والبطيئة في أحيان أخرى .

فأطيب التحيات للصديقة الشاعرة أميمة رفيق جبارين ، المحلقة في سماء القصيدة ، ودام العطاء والرقي والألق الشعري .