كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


           

بكائيات الشاعرة ليلى الصيني



الشاعرة السورية الحمصية الصديقة ليلى الصيني ، فجعت وثكلت قبل فترة وجيزة بوفاة زوجها وحبيبها ، اثر حادث مؤلم ، وقد احزنها كثيرًا غيابه ، فكرست كتاباتها الشعرية الأخيرة له ، فكتبت الكثير من الومضات والخواطر والمقطوعات الرثائية ، التي تعكس حالة تشكلها الانساني العاطفي ، وخصوصية تجربتها الوجدانية ، وسكونية اللوعة والحزن والشجن الذي تحتفظ به الزوجة بعد رحيل زوجها .

ما كتبته ليلى الصيني في رثائياتها وبكائياتها يشكل حالة عشق خاص ، ونبض وجداني وروحي ، وحزن شفيف صادق ، وتأثر كبير يعتري وجدان القارئ والمتلقي وهو يقرأ ما فاض به القلب وخطه يراع الروح المفجوعة بحالة الفقد :

احاول رسم الحروف
بأحبار البكاء
أطيرها مثل العصافير
في كل مساء
كي تكون مشعلا دربي
كي تكون آيات السماء
لست أدري كيف أنسى
نصف قلبي تحت أكوام التراب
لم تخن ولن تخني في حياتك
كنت عطر عباءة حبي
كنت ورد في كتابي
تحمي قلبي من وهج السراب
يا إلهي لا تلمني
قلبي يبكي
حرفي يحيى أقسى أنواع العذاب

ليلى الصيني ذات روح أنثوية مرئية في عالم البوح التعبيري ، ودهشة الكلمات ، ترتدي وجدًا عميقًا ، وحبًا ثائرًا جامحًا لعلاقة عاطفية قوية مع انسان ومحبوب أشعل رحيله الاستعارة في كلماتها ومفردات الحزن في نفسها ، فورد حمص ذابل من حزنه ، وحول القلب يطوف قلب مظلم ،لنسمعها تخاطبه وهو في لحده :

خذني معك شو بيمنعك
قلبي حزين من بعدك
أنت يا ملك مالي سواك
بهل الدني
كيف الردى عني غيبك ؟

بكائيات ليلى الصيني تعكس حسًا مرهفًا ، وشعورًا حزينًا شفافًا ، وشعرًا من فيض الوجدان يخفف عن الروح عذابها ومعاناتها ، ويطفئ نار شوقها الملتهب ، فتقول غير مصدقة موت الحبيب :

رحل الذي قطف الورد صبابة
في الرمس يجثو والفؤاد استسلما
قل لي حبيبي هل رحيلك كذبة
إني أراك كما الشموس تبسما
أقسمت في ربِّ العباد أرقتني
بات الندى فوق الجدار معدما
أنت الذي أبكى الحمام بمهجتي
والحزن يروي من عذابات لمى


وتشيع ليلى في مراثيها معاني الأسى واللوعة والجراح والأحزان ، وما شهدته حياتها مع الحبيب الغالي من عشق ووجد وألم ووجع كبير وعميق بعد الرحيل القاسي ، فلم يبق سوى حديث الذكريات ولوعة الفراق والبعد القاسي . وقد رثت الزوج والحبيب برقيق وجميل الكلام بالغ الأثر ، بما فيه من حرقة ووجد وحزن متواصل ، ما يعكس روحًا مكلومة بفعل الفقد ، ونجدها تتساءل قائلة :

لمن أشكو غياب الضوء

لمن أشكو ظلم الناس
يا قلم ؟

وفي رثاء الزوج والحبيب تكون المعاناة أكثر حرارة ووضوحًا في التجربة الشعرية ، فتزداد حدة الانفعال العاطفي ، وتتحرك المشاعر الداخلية بعدما أصابتها شظايا الفراق في العمق والصميم ، ولا احد يشعر بأساها سوى نفسها . ولعل سمة التكثيف الشعوري العاطفي سمة واضحة في هذه الرثائيات والبكائيات ، ولحظة التكثيف الشعوري تستمد مقوماتها من العلاقة الروحية الوجدانية التي ربطتها بالمرثي ، وتتجلى بشكل واضح في قولها :

كنت أرسمك بالكلمات
والوان أحلامي بك
طيفك الذي تنزل غير مرة
وحطَّ أجنحته على ضفاف راحتي
لم يكن محض وهم
ولا أضغاث سراب
ألا تذكر ؟
في اللقاء الاول
تحت جناح الفجر
عندما ارتجلت لي قصيدة
من وحي مقلتيّ
وانحنيت لتلتئم الورد على ربوع يدي
كنت ساميًا على قدر ما احب
انزويت ونبضي المتمرد على رشدي
ورفع لك راية العشق على تلال روحي
وكل ما غزلته لك من امنيات
كان برسمك
وموقوفًا على إشراقتك من جديد بعد غياب
أيها المتدثر بالغيم
وتأبى الهطول
لك مني رسائل في عهدة الشمس
اقرأها بتمعن

أني على قارعة الانتظار
ما زالت على شفتي بسمة حائرة
مؤجلة
لا ترتوي إلا بك

ليلى الصيني شاعرة رقيقة حساسة متدفقة بالمشاعر والاحساس المرهف ، ذات تجربة وجدانية خصبة ، اثرتها واغنتها حالة العشق ثم حالة الفقد والغياب الصعب والرحيل المر بمضامين خاصة جعلت منها خنساء سورية ، فتفجرت الكلمات ، وفاضت المشاعر برثائيات مشحونة بعشق مكلوم وحزن دفين لفراق حبيب مات وتركها وحيدة تجتر آلامها وجراحها ، ولم تجد سوى الورق تنثر عليه أحزانها ، وتروي المنية سلاحها الدموع ، وتشتم رائحة الجوى مع النرجس في صباحها .