كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


مراثي الشاعر أحمد حسين


كان شاعرنا الفلسطيني الراحل المعتز بكنعانيته ، أحمد حسين ، ابن حيفا ومصمص ، قد طرق جميع أغراض والوان الشعر ، وتناول في قصائده العديد من الموضوعات والموتيفات ، منها الوطنية والانسانية والوجدانية والسياسية والوصفية والرثائية . فكتب عن الحب والوطن والأرض والشهداء والثورة والانتفاضة ، واستحضر كنعان وعنات ، وتغنى كثيرًا بحيفاه ، وكتب عن صدام حسين وخراب بصرى ، وعرّى أنظمة العهر والفساد والذل والخيانة والتآمر العربية ، ورثى حال الأمة العربية من محيطها حتى خليجها .  

وفي كل ما كتب أحمد أجاد الوصف والتعبير ، بلغة رشيقة شفافة ، فكان صادق الأداء ، متفجر الأحاسيس ، وأمتاز بالتجربة الحية المشفوعة بالجمالية والأصالة ، وبالشاعرية المتوهجة المتأصلة .

ولأحمد حسين قصائد في الرثاء كتبها غداة رحيل عدد من أصدقائه ورفاق دربه الأعزاء . فيوم رحيل شقيقه الشاعر الشهيد راشد حسين في العام 1977، وقف على المنبر ليرثيه بقصيدة مؤثرة جدًا ، حملت عمق الوجع والجرح والدموع ، بصوت ليس مختنقًا أو بنبرة تغص بالعبرات ، وإنما بالتحدي الواثق القادر الشجاع على مواصلة الدرب وتجديد العهد وحمل شعلة الكفاح والنضال المقنن المضيئة في هذا العصر الأبله في زمن الخوف ، قائلًا :

جددت عهدك والعهود وفاء
أنا على درب الكفاح سواء
نم في ثراك فلست أول عاشق
قتلته أعين أرضه النجلاء
ماذا يرد عليهم ان يختفي
رجل وملء الساحة الابناء
ميلاد موتك موعد لم تخطه
من قبلك الاحرار والشرفاء
وصباح نعيك صيحة لن تنتهي
ما دام يسقط حولك الشهداء
شعب المصيبة ، نحن في عصر زنت
فيه الحضارة وانزوى الشرفاء
حيفا على شفة الخليج قصيدة
هيهات يكتب مثلها الشعراء

ورثى أحمد أيضًا الشاعر الوطني الكبير ، فارس النضال والمقاومة ، رفيق الشمس توفيق زياد ، الذي قضى بحادث طرق على شارع اريحا في العام 1977 ، وذلك بقصيدة فيها حزن وشجن وعتاب ، يقول في مستهلها :

رثاؤك ام عتابك ، ذاك بابُ
الى حًزني عليكَ ، وذاك بابُ
وانتَ أعزُّ من شعري مكانًا
فلا كان الرثاءُ ولا العتاب ُ
ولكن القتيل هو ألمُغّني
وهذا الشعرُ أكثرهُ انتحابُ
تحّبون الرحيل بلا وداع
كأنّ رحيلكم عنا إيابُ
فما عتبي عليك وانت منهم
صحائف ضمّ لوعتها كتابُ
فوارس يملأون الزهوَ زهوًا
رَمَوا فينا فجيعتهم وغابوا
كان الموت دربُ نحو أرض
طواها قبل موتهم الغيابُ
رفيق الشمس غيّبها سحابُ
يزول غدًا ، وغيّبك الترابُ
على ساحتنا وجعٌ يُغنّي
شموخُكَ في صمودك والعذابُ
وانت عزيز قوم لم يذلّوا
ولكنّ المصاب هو المصابُ
هوى نسرٌ وظلَ عُلاه نسرًا
يُحلّق تحت موقعه السّحابُ
كفى حزنا غيابكَ في زمانٍ
كأنّ على نوافِذِه الذئابُ

وحين توفي صديقه الأغر نواف عبد حسن ، الذي جمعته به علاقة فكرية عميقة ، بالموقف الوطني والسياسي والرؤى الواحدة والهوية الكنعانية ، وكان يفهمه على الطاير – كما يقولون ، كتب له قصيدة رثاء تغص بالحزن واللوعة والبكاء ، ونستشف فيها حرصه على ربط نفسه وجدانيًا ووظيفيًا وفكريًا مع صديقه أبي العبد ، الذي كان قد كتب عنه دراسة معمقة حول ديوانه " زمن الخوف " ، وقدّم لكتابه " رسالة في الرفض " .
وقال أحمد رثاءً بالشاعر الفلسطيني الغائب والمُغيّب عبد اللطيف عقل وآخرون ممن لم تكن لهم أسماء فنية :

عبد الرحيم محمود
راشد حسين
عبد اللطيف عقل
لم تكن لهم أسماء فنيّة
هذه أسماؤهم الثنائية
التي عاشوا بها

كتبوا بها اشعارهم
وتزوجوا
ودخلوا السجن بها ايضًا
وحملوها في شوارع البلاد
والمدن الثانية
كالمظلات في يوم صحو
ومع انها هي التي قتلتهم
إلا انها كُتبت ايضَا
على أنصبة قبورهم
سوف أهدلُ بدون صوت
على موتهم المنتخب
كما تهدل الالوان
في ثوب القتيلة
حينما يقلونها الى سيارة الاسعاف
او كما تهدل الغُربة
في شوارع المخيمات :
" من صنَعَ هذه الفسيفساء الجميلة
من المواعيد التي لم تحقق " .

ومن الذين رثاهم أحمد كذلك ، المناضل والقائد الشيوعي الفحماوي المرحوم محمود حسين حصري ( أبو العفو ) الذي ربطته به علاقة وثيقة وقوية ، نشرت قصيدته في حينه بصحيفة " الاتحاد " العريقة ، في عددها الصادر يوم الجمعة ا آذار العام 1985 ، وفيها انثالت الكلمات كالجدول الرقراق من دموع تعبّر عن خيبات الامل التي تنتزع أحلامنا انتزاعًا ، وعن ألم الفقد ، فلنسمعه يقول :

وجهك الشاحبُ مثل غمامة ربيعية
تتقاسم الشمس مع الأطفال
وأسطح المنازل
وعيناك اللتان لم تبرحا اطار النافذة
ترتشفان رداءة الطقس
وزغب العواصف ...
كل شيء جميل، بعيد
وكل حلم في العيون ، منفى
ولكن شفتيك المرتدتين ..
لتفسحا للابتسامة مكانها الدائم
تهمسان بيقين غريب :
" سوف ينتهي كل هذا "
أيها الرفيق العزيز !
من أين لك كل هذا التفاؤل ؟
ألا ترى أننا نسقط لننهض
وننهض لنموت واقفين !؟
إلى أن يقول في الخاتمة :
وبعد ،
أيتها القرية المدينة !
ليكن هذا الجندي القائد
وساما على صدرك
وتذكري
أنه على قبور البسطاء
تكتمل الحكمة .
فتعالي لنكمل على قبره
حكمتنا الناقصة :
" ان من يولد قائداً
لا يستحق القيادة
ومن يموت جنديًا
فهو الذي يصنع الرجال "
واخيرًا
ليس هذا موتًا فقط
انه حادثة جماعية ،
وبداية محزنة
لحب قديم .. متجدد
بين محمود حسين حصري
وشعبه العظيم

مراثي احمد حسين تتصف بجيشان العاطفة ، وصدق المشاعر وشدة التأثر ، وحرارة التعبير عن الإحساس ، ودقة الوصف والتعبير لما يشعر به من نار الرحيل وغياب الاحبة ، وتشكل تجارب إنسانية حية تتشابك مع حالات الحب والحياة والفجيعة والموت ، وتزخر بالبوح والشجن والتجليات ونبض مشاعره الانسانية الدافئة ، وتنداح بتدفقها الشعوري والشعري ، وفيها شحنات عاطفية عميقة داخل ذاته ، وتعكس روحًا معذبة قلقة متوترة تنثني وهجًا وموقفًا من الحياة والموت .