كنوز نت - عربي بوست | ترجمة 


الحكاية التي لم تسمعها من قبل.. 


كيف تعاونت إسرائيل وإيران لتدمير البرنامج النووي العراقي؟


صدام حسين عام 1976 خلال زيارته لباريس والتباحث مع رئيس الوزراء الفرنسي جاك شيراك لانشاء مفاعل نووي عراقي/ AFP

قبل تسعة أشهر من تنفيذ عملية «أوبرا» الإسرائيلية العسكرية الشهيرة التي دمرت مفاعل أوزيراك النووي العراقي، وتحديداً في فجر 30 سبتمبر/أيلول لعام 1980، حلقت أربع طائرات من طراز إف-4 إي فانتوم أمريكية الصنع على مستوى متدنٍ فوق وسط العراق، وكانت كل واحدة منها محمّلة بقذائف جو-جو، وثلاثة آلاف رطل من القنابل.

قبل دخول المجال الجوي العراقي، كان لديها موعد لإعادة التزود بالوقود في الجو من خزان طائرة من طراز بوينغ 707 ترافقها اثنتان من مقاتلات إف-14 توم كات الأكثر تقدماً، وهو النوع الذي خُلد لاحقاً بعد ست سنوات في الفيلم الأمريكي Top Gun. ولاستكمال إضفاء روح أفلام الأكشن في الثمانينيات، خرجت المقاتلات في مهمة حملت اسم «Operation Scorched Sword» أي «عملية السيف المحروق»، وهو الاسم نفسه الذي حملته الغارة الإيرانية التي دمرت المفاعل النووي العراقي.

أول غارة جوية لمنع تطوير السلاح النووي

ارتفعت طائرات فانتوم الاستطلاعية لمدة وجيزة إلى ارتفاع أعلى لترصدها الرادارات العراقية، قبل أن تتملص متراجعة لتهبط على الأرض. ولكن بينما حافظت طائرتا فانتوم التمويهيتان على مساريِهما نحو بغداد، انحرفت الطائرتان الأخريان جنوباً نحو الهدف الحقيقي: مفاعل أوزيراك النووي لأبحاث المياه الخفيفة في العراق.

كانت الطائرات تنفذ أول غارة جوية على مفاعل نووي، وأول غارة جوية استباقية تحاول منع أي بلد من تطوير قدرات في مجال الأسلحة النووية. وفي الواقع، كان الهجوم الوحيد على المنشآت النووية الذي سبق تلك الهجمة وقع خلال الحرب العالمية الثانية عندما نجحت القوات الخاصة البريطانية في تخريب منشآت أبحاث المياه الثقيلة النازية في النرويج.

حدث ذلك قبل تنفيذ عملية أوبرا الإسرائيلية الشهيرة التي دمرت مفاعل أوزيراك النووي بتسعة أشهر. ويذكر أن طائرات فانتوم التي كانت ترتفع صوب المفاعل في عام 1980 تابعة لسلاح الجو الإيراني!

المفاعل النووي العراقي تموز خلال مرحلة البناء/ AFP


تحالف إسرائيلي إيراني ضد صدام

تقول مجلة The National Interest الأمريكية، إن هذه الغارة وُثقت رغم غموضها، ووُثق كذلك السياق الذي حدثت فيه، باستفاضة بواسطة توم كوبر وفرزاد بيشوب في مقالة مذهلة نُشرت في مجلة Air Enthusiast في عام 2004.
كانت إسرائيل في تحالف قائم مع إيران قبل اندلاع الثورة الإيرانية، إذ واصلت تل أبيب ضخ طهران بالأسلحة الحيوية وغيرها من أشكال الأمن خلال الثمانينيات على الرغم من خطب آية الله الخميني المناهضة لإسرائيل. ويعزو ذلك بشكل كبير إلى المخاوف المشتركة للبلدين من الحشد العسكري في العراق خلال عهد صدام حسين.

في عام 1975، نجح العراق في التفاوض على صفقة بقيمة 300 مليون دولار (أي ما يعادل 1.3 مليار دولار بالقيمة الحالية) مع فرنسا لبناء مفاعل من طراز OSIRIS لأبحاث المياه الخفيفة بإجمالي طاقة 40 ميغاواط في العراق، مُنح اسم «أوزيراك». تضمن هذا المشروع في بناء مفاعلين باسم تموز 1 و 2 في منشأة التويثة للأبحاث النووية جنوب بغداد.

صُمم مفاعل أوزوريس لأغراض مدنية، لكنه امتلك المقومات لأن يصبح نقطة انطلاق لكفاءة الأسلحة النووية، على الرغم من أن الخبراء يختلفون حتى يومنا هذا بشأن هذه الوثبة، وإلى أي درجة كانت وشيكة بحق من صناعة أسلحة نووية. نجح صدام حسين في الضغط على الحكومة الفرنسية لتسليم عشرات الكيلوغرامات من الوقود النووي المخصب بنسبة 93٪ الذي يرقى لصنع الأسلحة النووية، بينما حصل على كيلوغرامات من اليورانيوم من أمريكا الجنوبية ومصادر أخرى.

كيف أفشلت إسرائيل وإيران البرنامج النووي العراقي؟

أزعج المفاعل كلاً من إسرائيل، التي لا تزال حتى اليوم الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك أسلحة نووية، وإيران، التي صدت غزو دبابات عراقي فاشل عام 1975. وفي إطار سعيها لوقف البرنامج، قصف عملاء إسرائيليون قلب مفاعل نووي مكتمل البناء بالقرب من مدينة تولون جنوب فرنسا، في حين طعن عملاء فرنسيون الدكتور يحيى المشد، عالم الفيزياء المصري، حتى الموت في فندق بباريس في 14 يونيو/حزيران عام 1980. نجحت تلك الإجراءات في تأخير وليس وقف بناء مفاعل أوزيراك النووي في منشأة ذات قبة مكشوفة، وليس في مجمع محصن تحت سطح الأرض.


في 22 سبتمبر/أيلول لعام 1980، شن صدام حسين غزواً عراقياً واسع النطاق في جنوب غرب إيران، على أمل الاستفادة من الفوضى السائدة في الجمهورية الإسلامية الجديدة. وامتدت الحرب الناتجة عن الغزو لمدة ثماني سنوات دامية على نحو استثنائي.

كان هذا هو السياق الذي بدأ سلاح الجو الإيراني فيه التخطيط لشن هجوم على مفاعل أوزيراك في وقت سابق من يونيو/حزيران آنذاك، بطلب من رئيس الاستخبارات العسكرية للجيش الإسرائيلي، بحسب التقارير. وكانت إسرائيل واحدة من الدول القليلة المستعدة لتزويد إيران بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية اللازمَة لمحاربة العراقيين، لذا كان يُنظر إلى الغارة على أنها منفعة متبادلة.

ضرب العراق.. منفعة متبادلة بين إيران وإسرائيل

نجح الأسطول الإيراني الكبير المكون من مقاتلات طائرات F-4 و F-14 الأمريكية في أن يشكل التصدي أمام القوات العراقية خلال السنوات الأولى من الحرب العراقية الإيرانية. إذ انطلقت طائرات الفانتوم التي نشرتها إيران في الغارة من سرب 33 القتالي المتمركز بالقرب من مدينة همدان الإيرانية.

ولما كانت القنابل الإيرانية من طراز Mark 82 غير الموجهة تزن 500 رطل، تعين على الطيارين الإيرانيين الهبوط في جوانب الدفاعات الجوية العراقية التي لا تقهر. أو على الأقل، التي لا تقهر نظرياً. ودافعت عن منشأة التويثة عشرات من رشاشات الإطلاق السريع عيار 23 و 57 ملم وصاروخ طراز SA-6 روسي الصنع وثلاث صواريخ أرض-جو قصيرة المدى موجهة بالرادار من طراز رولاند 2 فرنسية الصنع.

ومع ذلك، استغلت طائرات فانتوم غفوة أخذها أفراد قوات الدفاع العراقي، وأسقطت قنابلها على محطة طاقة عراقية، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي في بغداد لمدة يومين بحسب مقال كوبر. وفي غضون ذلك، نزل العنصر الأساسي للغارة إلى التويثة وأطلق جميع القنابل الاثني عشر في غضون ثوانٍ قبل أن يعود لقاعدته. ولا توجد تقارير عن أي إطلاق نار دفاعي من جهة العراق.

أدى الهجوم إلى اندلاع حريق هائل في المفاعل النووي العراقي (الصورة التي تعود إلى مصدر فرنسي)


أفاد بعض الشهود أنهم رأوا قنبلتين إيرانيتين ترتدان عن قبة المفاعل. أدى الهجوم إلى اندلاع حريق هائل (مثلما يرى في تلك الصورة التي تعود إلى مصدر فرنسي) وتلف الأنابيب ومضخّات التبريد ومرافق المختبرات. وانسحب المئات من الفنيين الفرنسيين والإيطاليين من المبنى بعد الغارة، رغم أن بعضهم عاد في النهاية.
ومع ذلك، أشار تقرير استخباراتي لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى أن مصدراً سرياً أكد أن «المباني الثانوية وحدها هي التي قصفت»، ورسخت قناعة على نطاق واسع في الغرب (وإن كانت مخطئة) أن طيارين إسرائيليين هم من قادوا الغارة في الطائرات الإيرانية.

تنسيق استخباراتي عال المستوى

في 30 نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، عادت طائرة استطلاع فانتوم إيرانية من طراز RF-4 إلى المبنى بسرعة تتجاوز سرعة الصوت، والتقطت صوراً لتقييم آثار الغارة. وفقاً لكوبر وبيشوب، بُعث بالصور الاستخبارية بعد ذلك في صندوق معدني إلى إسرائيل عبر طائرة بوينغ 707 تُستخدم لتسليم أسلحة إسرائيلية إلى طهران.

ساعدت هذه الصور الاستخباراتية، المعززة ببعثات التصوير الاستطلاعي التي تضطلع بها طائرات فانتوم الإسرائيلية، الجيش الإسرائيلي على تصميم نسخة طبق الأصل كاملة للمبنى بغرض التخطيط والتمرن على غارته التي نفذها أخيراً في 7 يونيو/حزيران 1981. إذ انطلقت ثماني طائرات إسرائيلية من طراز فالكون F -16 (الصقر المقاتل)، يرافقها ست طائرات من طراز F-15 إيغل، عبر الأجواء السعودية، مستغلة فجوة في تغطية الرادار العراقي. وفي أقل من دقيقة، دمرت مقاتلات إيغل مفاعل أوزيراك بقنابل مارك 84 الضخمة التي تزن 2000 رطل، مما أسفر عن مقتل تسعة عراقيين ومهندس فرنسي.

مشهد من مبان تابعة لمفاعل تموز النووي العراق ي بعيد تدميره/ AFP


انتقام صدام من إيران

وبسبب عدم رغبته في الانتقام مباشرة من إسرائيل، دكّ صدام حسين محطة بوشهر للأبحاث النووية الإيرانية. بين عامي 1984 و1987، قصفت الطائرات النفاثة العراقية سوبر اتندارد وطائرات Su-22M4K المجمع خمس مرات، مما ألحق أضراراً كبيرة بالمبنى.
بينما يستشهد عادةً بغارة أوزيراك باعتبارها الإصدار الأصلي في النقاشات المؤيدة للضربات الاستباقية المناهضة للأسلحة النووية، يبدو نجاح الغارة واضحاً بدرجة ما. فمع انتكاسة الجهود العراقية للحصول على الأسلحة النووية لعقد من الزمان، يزعم بعض الخبراء أن المفاعل لم يكن متوائماً مع مثل هذه الأغراض.
وفي أعقاب الغارة، بدأ صدام حسين برنامجاً نووياً واسع النطاق يسعى سعياً مباشراً إلى إنتاج أسلحة في مباني محصنة تحت الأرض. وإن لم يدخل في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية بغزو الكويت في عام 1990، كان صدام سيكتسب إمكانيات أكثر فعالية في مجال الأسلحة النووية على المدى الطويل.

إيران تعلّمت من الدرس العراقي

تسببت الهزيمة التي تعرض لها صدام حسين في عام 1991، إلى جانب انهيار الاتحاد السوفيتي، في إنهاء التحالف السري بين إسرائيل وإيران. إذ اعتمدت طهران اعتماداً متزايداً على دعمها للجماعات المعادية لإسرائيل لكسب النفوذ والتحالفات في العالم العربي، في حين أدركت إسرائيل حينئذ أن إيران هي على الأرجح الدولة الأكثر عدوانية في المنطقة للسماح لها بامتلاك أسلحة نووية.
ثمة مفارقة هنا، فبعد أن تولت إيران الريادة مع إسرائيل في الهجمة الاستباقية التي استهدفت محطات الأبحاث النووية لدولة أخرى، أصبح برنامج إيران النووي الشامل اليوم مهدداً بهجمات جوية وقائية من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، تعلمت إيران من ضربات أوزيراك، وفرقت برنامج أبحاثها النووية بين العديد من المباني الواقعة تحت الأرض، بدلاً من تركيزه في مبنى واحد فوق الأرض يجعله عرضة للهجوم.