الاسم: ناهد عكري

صورة قلمية 

2013-2014   لقاء سابق 

صورة قلمية- سميح القاسم.


أن تلتقي الشّاعر الكبير سميح القاسم وجهًا لوجه ليس قضية صعبة، صحيح أنّ هنالك من هم أقلّ شأنا منه بكثير و قد تجد صعوبة في اللّقاء بهم ، إلّا أنّ القاسم الشّاعر الكبير مختلف عن أولئك المتضخمين، فهو أكثر النّاس تواضعًا، ويعامل كلّ من حوله بحنان أبويّ.

لم تكن هناك مشكلة بتحديد لقاء معه في بيته على قمّة من قمم جبل حيدر في الرّامة رغم مرضه، رغم أنّني كنت متردّدة من الاتصال به، و ظننت أنّ الأمر سيكون صعبًا فهو شخصيّة عربيّة بل عالميّة ، و هو مريض، و ليس لديه مشكلة بأن يعتذر و يقول بأنّه ليس على ما يرام، أو أنّه متعب، و لكنّه و بمجرّد الاتصال به كان ردّه ، باهلا و سهلا تفضّلوا متى شئتم.

عندما وقفت أمام سميح القاسم، سألت نفسي، هل هذه هي القامة الّتي أبدعت الأشعار الكثيرة الّتي يتغنّى بها النّاس من المحيط إلى الخليج، هل هذا هو سميح القاسم الّذي ملأ الدّنيا بأشعاره و مقالاته و مواقفه!

بعد الترحيب و التأهيل ما لبثنا أن جلسنا، و انضم إلينا عدد من أفراد أسرته الكريمة.

كان والدي يرافقني في هذا الّلقاء ، و راح يتبادل مع الشّاعر الكبير أطراف الحديث، تمعنت النظر في وجه شاعرنا فخطت السنون علاماتها في وجهه , الذي يبدو مقاوما لكل علة, في كل مسامة من مسامات وجهه ترى اثر المقاومة جليا , نبرات صوته تتحدى و تصرخ لتحيي الماضي و تؤرخ الحاضر و ترسم المستقبل .

التقيت بشباب الشيخوخة , ثقافة الحكمة , لقاء تاريخ القرى و المدن المهجرة, مزجت ملامحه بالمقاومة و حرارة النكبة, و ما زال يشحن الهم و يبعث الامل ويبني التّفاؤل، فما أنت إلا فعلا أمام شاعر المقاومة رمز الصّمود و باني أمل المستقبل.


عينان ضيقتان, تشع منهما طاقة أمل و حب و دفء, استطاع رغم قهر الايام, و الم النكبة أن يرسم ابتسامة دافئة على شفتيه الدّقيقتين , و نتوء خديه , و نحافة وجنتيه , و بريق عينيه الذي ما زال يتحدى و يقاوم , كل معالم الشّيخوخة و تداعيات الهرم.

انفه الصّغير , ما زال شامخا كشموخ جبال الجرمق , و بياض اسنانه يرسل بأشعة بيضاء تحدى دخان سجائره التي لا تنطفئ , و يتحدى بها المرض مخالفا توسلات زوجته التي تستجديه باستمرار التوقف عن التّدخين.

اذنان كبيرتان, كأشجار عالية صامدة , تقاوم رياح عاتية اذنان تحتلان مساحة واسعة من الراس لمعرفتها ان صاحبه انسان مميز و سينهل من بحر العلم الكثير فاحتاجت تلك المساحة.

قامته و هو جالس مثل جذع زيتونة معمّرة تأبى الانصياع لعوامل الزّمن، بل إنّ الزّمن لا يزيدها سوى و قوّة و صلابة و تجربة في معاركة المخاطر و الأعاصير، تقاوم و تخضر و تنطلق من جديد، هكذا رأيت سميح القاسم الّذي كانت ابتسامته زادًا حقيقيّا لمن يحتاج وجبة من التّفاؤل، آمنت أنّ روحه مختلفة، و أنّه بشعره قادر على محاربة المرض، ذلك المرض اللّعين، فقد اخبرتني صديقة أنّ الأطبّاء لم يتوقّعوا لسميح القاسم أن يحيى إلى هذه السّنين، و بحساباتهم كان يفترض أنّه رحل منذ عامين أو أكثر، و لكنّه يؤكد أنّه مختلف عن الآخرين بهذه الرّوح المتمسّكة بالبهجة و القناعة المطلقة بالقضاء و القدر، و كأنّه يخطّ القدر بيده و روحه و ليس القدر هو الّذي يتحكّم بمصيره.

فيه أصالة الزّيتون و النّخيل و شموخهما ، أصالة ضارية الجذور في التّربة و صخور الجليل، سجرة طيّبة تظلّل و تؤتي ثمارها للمارين و المحبّين، هكذا رأيت سميح القاسم، رأيته شجرة تحمل ثمارا مباركة، و سراجا ينير على كلّ من حوله، عم لقد رأيته شعلة من الطّهارة تبعث النّور و الأمن و الدفء على كلّ ما حولها.

صوت سميح القاسم، صوت حنون دافئ ، يعكس امنه الداخلي واستقراره، يبث للسامع ، اليقين والثقة والقدرة، وتشعر بفرح وانت تنصت له ، وفي خبايا صوته حنين لأيام مضت ، لأيام جمعته مع رفيق دربه شاعرنا محمود درويش.

كنت وأنا أنظر إليه أتذكّر حالات أخرى مشابهة انهار أصحابها بسبب خوفهم و قلقهم من المرض، الفرق أنّني رأيت بسميح إنسانا فريدًا من نوعه بالفعل، فمثل هذا التّحدي لا يتوفّر إلا لمن يملك قوّة و إرادة و حسّا ووعيًا وإيمانا استثنائيا غير ما يملكه البشر العاديّون.