كنوز نت - جريدة القدس
"الموت السّريري" المفاجئ للأطفال الرُّضَّع.. أسباب غير معروفة... والوفيات مستمرة
تشير الدراسات الصادرة عن مركز المعلومات الصحية التابع لوزارة الصحة الفلسطينية أن 6.1 % من إجمالي معدل وفيات الأطفال الرضّع للعام 2014 كان سبب وفاتهم متلازمة "الموت السريري" أو ما يطلق عليه "موت المهاد" المفاجئ للرّضّع. ويـُعرّف أطباء الأطفال في فلسطين هذه المتلازمة على أنّها تعرُّض الطفل السليم الذي لا يعاني من أيّ مرضٍ أو تشوّه خَلقي يُـذكر للموت بشكل مفاجئ غير متوقـّع قبل بلوغ عمر السّنة.
يوضّح د. عبدالله عثمان المتخصص في طب الأطفال أن مسببات متلازمة "الموت السريري" المفاجئ للأطفال الرّضّع لا تزال تؤرق أطباء العالم، فالأسباب غير معروفة وغير واضحة. إلا أن الدراسات المستمرة والمتعلقة بطب الأطفال تعتقد أن هذه المتلازمة تحدث -بشكل رئيس- للأطفال اللذين لديهم تأخر في تطور الجهاز المسؤول عن التنفس و القلب وعن آلية التنفس الموجودة في جذع الدماغ.
ويشير د. عثمان أن الدراسات الطبية العالمية أثبتت أن متلازمة "موت المهاد" تحدث بشكل أكبر لأطفال الأمهات المدخنات أو الأمهات اللاتي أنجبن أطفالهن في عمر أقل من 20 عاماً، بالإضافة لأولئك اللاتي لم يحصلن على الرعاية الطبية والصحيّة طيلة فترة الحمل، أولأطفال النساء اللواتي أنجبن طفلين فأكثر في الحمل الواحد (التوائم). كما يوضّح د. عبدالله طبيب الأطفال أن المواليد الخُدَّج الذين تقل أوزانهم عن الوزن الطبيعي - أقل من 2.5 كغم - هم أكثر عرضة لاحتمالية "الموت السريري" المفاجئ مقارنة مع غيرهم.
ويفنّد د. عثمان الى العوامل المحيطة المؤدية لوفاة الأطفال الرضّع سريريّا بشكل غير متوقع، إذ يبيّن أنّ نوم الطفل الرضيع على بطنه يؤول إلى انسداد مجرى التنفس لديه والذي قد يؤدي إلى وفاته بشكل غير متوقّع. كما ان الطفل الذي ينام مع أو جانب أو بين والديه على السرير نفسه هو أكثر عرضة لمتلازمة "موت المهاد" المفاجئ. ويؤكد د. عبدالله عثمان أن نوم الطفل على فرشة ناعمة يشكل خطراً عليه ويزيد احتمالية وفاته فجأة. إذ أن الدراسات تنصح بأن ينام الطفل على سريره بشكل منفصل عن والديه مع ضرورة استخدام فرش قاسٍ لتلافي اختناق الطفل أثناء النوم.
ويضيف د. عبدالله قائلاً، أنه من بين العوامل المؤدية لوفاة الطفل الرضيع بشكل مفاجئ هو وجود وسائد وألعاب كثيرة على سريره، الأمر الذي يضاعف احتمالية إصابته بمتلازمة "الموت السريري" ووفاته بشكل غير متوقع. إذ أنّ ألعاب الأطفال ذات الوَبَر أو المحشوّة بالصوف أو المكسوّة بالريش قد تؤدي إلى انسداد مجرى التنفس لديه ووفاته بشكل مفاجئ. ويضيف د. عثمان، أن التدفئة الزائدة للأطفال الرضع خاصة فترة الشتاء، وتغطية رأس الطفل أثناء النوم هي من العوامل المؤدية لـ "الموت السريري" المفاجئ للأطفال الرضع.
ويشير د. عبدالله عثمان طبيب الأطفال، أن الباحثين الأجانب وجدوا أن الأطفال الذين يرضعون طبيعيا من أمهاتم، وأولئك الذين يستخدمون "اللهاية" هم أقل عرضة للإصابة بمتلازمة "موت المهاد". ويشير طبيب الأطفال الى أن الأطفال الرضع الذكور هم أكثر عرضة للموت فجأة مقارنة مع غيرهم من الرضّع الإناث. ويؤكد أن الدراسات العالمية أثبتت أن معظم حالات وفيات الأطفال الرضع بمتلازمة "موت المهاد" تكون ما بين الساعة 12 منتصف الليل وحتى الساعة 6 صباحاً. وغالبا ما تحدث أكثر للأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين شهرين إلى أربعة شهور.
"النفسانيون" يحذّرون من اكتئاب مزمن يصيب الأم
وفي السياق ذاته، يحذّر د. حازم عاشور رئيس وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية سابقاً من إصابة الأم بأمراض نفسية حتى درجة الاكتئاب المزمن نتيجة وفاة طفلها الرضيع بمتلازمة "الموت السريري" المفاجئ. إذ قد تشعر الأم بالذنب ظناً منها أنها السبب في وفاة طفلها، وقد تكون مُلامة بقسوة ممن حولها، الأمر الذي يزيد "الطين بلة".
ويتسلسل د. عاشور في سرد الاضطرابات النفسية التي قد تتعرض لها الأم، إذ تبدأ بمرحلة الشعور بالحزن والأسى ومن ثم اضطراب القلق وقد تنتقل إلى مرحلة الاكتئاب والخوف من المستقبل أوالخوف من الفشل خشية تكرار حالات وفاة أخرى لأطفالها. ويبين د. حازم عاشور أن الأم قد تظن/ أو قد تُتّهم أنها قامت بعملية قتل طفلها، الأمر الذي ربّما يجعلها تفكر بالانتحار مستقبلاً نتيجة الضغوط الاجتماعية حولها.
ويتطرق د. حازم عاشور في حديثه إلى احتمالية إصابة الأم باضطرابات عقلية شديدة نتيجة فقدانها فجأة لطفلها، خاصة أن سبب متلازمة "موت المهاد" المفاجئ للأطفال الرضع غير معروف طبيّاً، وبالتالي فإن فقدان الطفل سيكون بالنسبة لها "كالقشّة التي قصمت ظهر البعير". إذ بعد وفاة الطفل الرضيع، يُخيّل للأم أنها تسمع صوت بكائه، فتذهب لسريره، وتراه موجوداً على الرغم من عكس ذلك تماماً. ويدعو د. عاشور النيابة العامة إلى فحص كافة جثث الأطفال الرضع الذين يموتون بسبب متلازمة "موت المهاد" المفاجئ، وذلك من أجل الوقوف على أسباب الوفاة، وربما مساعدة العلم مستقبلاً في تحديد أسباب هذا الموت المفاجئ.
ويوضّح د. عاشور أنّ من أعراض الاضطراب التي قد تصاب بها الأم بعد وفاة طفلها بمتلازمة "الموت السريري" المفاجئ هي: القلق، وقلة النوم، وفقدان الشهيّة، وفقدان الوزن، وشدّة وسرعة الانفعال، والشعور بالارهاق، وتقلّب المزاج، والبكاء باستمرار.
ويستطرد د. عاشور في حديثه إلى ضرورة التوعية المجتمعية في هذا الخصوص والوقوف جنباً إلى جنب الأم. فهي ليست مسؤولة عن وليست مسبب الوفاة لطفلها كما يظنّ البعض. إذ يجب تقديم الرعاية النفسية للأم في هذه الحالة من أيام الحمل الاولى حتى ما بعدها.
وفيما يتعلق بعلاج الأم المكتئبة، يشير د. حازم عاشور إلى أن فترة العلاج للأم التي تعاني من الاكتئاب بعد وفاة طفلها بمتلازمة "موت المهاد" المفاجئ قد تستمر حتى مدة 6 شهور متواصلة. ويـُقدَّم العلاج للأم وزوجها والأفراد المحيطين بهما. وتكمن أهمية العلاج تفادياً لحدوث حالة الطلاق بين الزوجين بسبب عدم الإلمام بالمعلومات الطبية العامة ذات الصلة بالمتلازمة أوخشية انتحار الأم بسبب الاكتئاب المزمن. ويشمل العلاج الإرشاد والدعم النفسي و جلسات الإرشاد العائلية وربما وصف الأدوية العلاجية للأم، إن لزم الأمر.
دكاترة الطب الشرعي يشرّحون جثث الأطفال المتوفين بسبب متلازمة "موت المهاد"
يؤكد د. سمير أبو زعرور الطبيب الشرعي أنّ الأطباء الشرعيين يقومون بتشريح جثث الأطفال المتوفين فجأة بسبب متلازمة "الموت السريري". إذ تأمر النيابة العامة الأطباءَ الشرعيين بتشريح جثث الأطفال الرُّضَّع وذلك من أجل تقديم البيّنة والمشورة الطبية للقضاء وتحديد سبب الوفاة.
ويوضّح د. أبو زعرور الطبيب الشرعي أنه عند وصول جثة طفل رضيع متوفّى، فإنه يقوم بفحص الجثة والكشف عنها ظاهرياً، وإن لم يجد سبباً ظاهرياً واضحاً للوفاة كالأسباب الجنائية أو التشوّهات الخلقيّة مثلاً، فيقوم بتشريح الجثة وفحص الأعضاء وأجهزة الجسم الداخلية. و غالباً لا يجد سبباً لوفاة الطفل الرضيع. فيُعرف ضمنياً أن سبب وفاته هو متلازمة "موت المهاد" المفاجئ.
ويضيف د. سمير أبو زعرور، أنّ عملية التشريح تتم في معهد الطب العدلي في جامعة النجاح الوطنية و تمتد مدّة التشريح من 40 دقيقة إلى ساعة. وبعد الانتهاء من العملية، يقوم الطبيب الشرعي بتزويد النيابة العامة بتقرير طبّي قضائي مفصل عن نتائج التشريح.
وينوّه د. أبو زعرور، أنّه خلال عملية تشريح جثّة الطفل الرضيع المتوفّى بـ متلازمة "موت المهاد"، فإنّه –في بعض الأحيان- يجد بقايا حليب الرضاعة في قصبات الطفل الهوائية. ويكون ذلك بسبب استنشاق الطفل للحليب بدلاً من الهواء، فيختنق ويموت. وهنا يشدد د. أبو زعرور على ضرورة قيام الأم بتجشئة الطفل بعد الانتهاء من رضاعته تفادياً لحدوث هكذا حالات وفاة. إذ أنّ عدم تجشئة الطفل الرضيع يعدّ من العوامل المؤدية لاختناق الطفل ووفاته فجأة.
28/03/2016 02:43 am
.jpg)
.jpg)