كنوز نت - بقلم : د. حاتم عيد خوري



هناك في جورة الذهب(8)


"نعم يا خضر انا خالد ابو عزيز من ترشيحا. انا صاحب الدار التي عرضَها عليك الحاكم العسكري... وانا اعرف انك لم تقبل ولذلك انا قادم اليك الان، راجيا منك بل متوسّلا اليك ان تقبل ما عُرض عليك". اندهش خضر بل ذُهل ممّا سمعه... لكنه سرعان ما عاد ليتساءل عن الدافع الذي جعل خالدا هذا، يأتي اليه بهذه المبادرة الغريبة المنافية للمنطق المعتاد، فتوجّه الى الرجل مستفسرا عن ذلك. تنهّد خالد من اعماقه قبل ان يجيب بانفعالٍ شديدٍ عبّرَ عنه شارباه المتراقصان: "سمعتُ ان الجيش الاسرائيلي يقوم بهدم بيوت الفلسطينين المهجَّرين غير المأهولة، وانا لا اريد لبيتي في ترشيحا، الذي بنيتُه بعرق جبيني وبخبز اولادي، أن يُهدم حتى ولو لم أعُد اليه". توقف خالد عن الحديث لحظةً ليمسح بطرف كوفيته دموعا ترقرقت في مآقيه فاستدّرت دموعَ برهوم وخضر، ثم تابع حديثَه قائلا لخضر: "ارجوك ان تلبّي طلبي يا خضر، واعدك اني إن عدتُ يوما الى الوطن، فلَكَ عهدٌ عليَّ. ساسكن انا في الطابق الارضي فقط، بينما العلوي يبقى حلالا زلالا لك"... 

فهل لبّى خضر طلبَ خالد؟


لم يلبِّ خضر طلب خالد ولم يرفضه ايضا، لكنه اكتفى بقوله: "إن شاء الله بصير خير"، ممتنعا عن الدخول في نقاش مع خالد. حاول خالد جاهدا ان يستدرجه الى الافصاح عن الاسباب التي تجعله يتريث، ولربما يتردد، في الموافقة على طلبه، إن لم يكن يرفضه اصلا. هذا التمنُّع الذي ابداه خضر عن الاجابة، ناهيك عن إعطاء وعد، ، كاد يتصدع عندما ضربَ له خالد على وتر حسّاس من تقاليد الضيافة العربية المتوارثة، فاعلن أنه لن يشرب القهوة إلا إذا وافق على طلبه. فقال له خضر مُحرَجا: "إذا كنتَ تريدني أن انقذ دارك في ترشيحا من الهدم، فمن ينقذ داري انا في جورة الذهب؟". تصوّرَ خضر ان سؤاله هذا سيُحرج خالدا فيتراجع عن طلبه"، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، وكأن خالدا كان يتوقع مثل هذا السؤال، فقال على الفور: " لقد قلتُ لك يا خضر ان الجيش الاسرائيلي يهدم البيوت المهجورة، كي يقطع الطريق على اصحابها الذين يملكونها، وينسف جسور املهم بالعودة الى وطنهم. أمّا إن تمَّ تبادلُ دارك بداري، فإن داري لن تُهدم لانها ستصبح مِلكا لك، ودارك ايضا لن تُهدم لانها ستكون بمثابة مِلكٍ للجيش". سكت خالد لحظة ليرى وقع كلامه على خضر او ربما ليسمع تعليقا منه يكشف نواياه، لكن الاخير(خضر) آثر الصمت ربما لانه صُدِم من تعبير "دارك ستكون ملكا للجيش" أو لانه اقتنع بوجهة نظر خالد أو ربما لانه شعر بارهاق استنفدَ قدرتَه على السهر والحديث، فعاد ليردّد ما قاله سابقا: " بصير خير إن شاء الله"....

لم يبقَ امام خالد إلا ان يغادر بيت برهوم، فغادر الكرى معه جفونَ خضر تاركا إيّاه يتقلب في فراشه، مقلّبا افكاره ومتذكرا مقولة دأب الناس على ترديدها، مفادها: "ان ثلاثة لا يمكنهم النوم: جائع او بردان او خائف". قال خضر لنفسه: "صحيح انا لست جائعا ولا بردانَ ولكنني قلق، بالاحرى انا خائف نعم خائف جدا من نتائج القرار الذي عليَّ ان اتخذه بشان استبدال داري بدار خالد ابو عزيز". كان خضر يستعرض في فكره الحسنات والسيئات المترتبة على مثل هذا القرار. نهض من فراشه. تناول ورقة وقلما واخذ يسجّل ما يدور بفكره، عسى التسجيل يساعده على بلورة الامور ويسهل عليه بالتالي، اختيار القرار الافضل...ثمَّ قام بطيّ الورقة ووضعها في جيبه على أمل الاستعانة بها مستقبلا.


هذا المستقبل لم يكن بعيدا. فما هو إلا يومان واذ به يعود الى تلك الورقة. كان ذلك عندما وصل الى بيته في "البلد"، عائدا من لبنان، ليجد بانتظاره تبليغا رسميا من الحاكم العسكري يامره بالحضور فورا الى مكتبه. كان خضر، وقد أصبح ذا تجربة غنية بمثل هذه "الزيارات" الى مكتب الحاكم العسكري، يعلم علم اليقين، أنه مطالَبٌ بجواب فوريّ. فقال مخاطبا نفسه: "صحيح أني تجاهلتُ كافة المغريات كالحصول على تصريح تنقل واقامة دائمة في البلاد، وايضا على دار رحبة مرممة وغير ذلك من الامور التي لم تُغرِني ولن تُغريني، ولكن كيف استطيع الان تجاهلَ طلب خالد ابو عزيز بل توسّلَه، بأن أنقِذَ دارَه من الهدم؟"...

هذا المُعطى الجديد حسم موقف خضر وجعله يميل الى تغيير رأيه السابق والى قبول صفقة التبادل معتبرا إيّاها في نهاية الامر، قضيةً شخصيةً محدودة الابعاد... شعرَ خضر براحةٍ افتقدها منذ ان التقى بخالد ابو عزيز. قال لنفسه: "الصباح رباح" ثم قام الى قنديل الكاز فاخفت نوره (نوّصَه) وبادر الى فراشه لينام وهو يردد بيتين من الشعر طالما ردّدهما استاذُه في الكلية الرشيدية في القدس: "دعِ المقاديرَ تجري في أعنّتها / ولا تبيتنَّ إلا خاليَ البالِ" ، "ما بين غمضةِ عينٍ وانتباهتِها / يغيّر اللهُ من حالٍ الى حالِ"...

 لم يدرِ خضر في تلك الليلة، مدى صحةِ هذين البيتين، إلا عندما سمع طرقا خفيفا على باب بيته، مقرونا بصوت نسائيّ خافتٍ يقول:"افتح الباب يا خضر". أبت عليه رجولتُه ان يسأل: "من أنتِ؟". سارع الى فتح الباب...

فمن كان يقف بالباب في مثل هذه الساعة المتاخرة من الليل؟ ولأي غرض؟ وماذا حدث؟
ساكشف عن ذلك في الحلقة التالية (حلقة رقم 9) من هذا المسلسل..