كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن



المفكر اللبناني التقدمي الراحل محمد دكروب وكتابه " رؤى مستقبلية "


يُعَد المفكر والمثقف اللبناني التقدمي محمد دكروب أحد قامات الفكر والنقد العربي التنويرية ، بقي طوال حياته وحتى رحيله العام 2013 قابضَا على جمر المبادئ والمواقف والإنسانية النبيلة ، ناشرًا الحرية والتنوير والتقدم ، وشكل منارة مضيئة للأجيال العربية القادمة .
وما ميز مسيرته الزاخرة بالعطاء والابداع والنضال والنشاط الصحفي والثقافي والفكري ، سيرته الذاتية التي رواها في أكثر من مناسبة ، فضلًا عن شخصيته المميزة التي اتسمت بالصدق والشفافية والاستقامة الفكرية والتمسك بروح التفاؤل والامل بمستقبل عربي أفضل .
ومحمد دكروب الناقد والمفكر والمثقف والإنسان لن يتكرر ، وهو السمكري الذي بنى ثقافته على يد الشيخ الجليل الشهيد د. حسين مروة ومجلة " الثقافة الوطنية " ، وهذه الثقافة جعلته غير متعالٍ على احد ، ولم يستخدمها لأي اغراض شخصية بل كرس حياته ووظف أفكاره وكل حرف اكتسبه وتعلمه في خدمة الشعب وقضاياها ولحركة المقاومة والتغيير .

ارتبط محمد دكروب بالصحافة الشيوعية والتقدمية في لبنان ، ابرزها : " الثقافة الوطنية ، والطريق ، والنداء اليومية ، ومجلة الأخبار الأسبوعية " .
وترك وراءه مجموعة من المؤلفات والمنجزات الفكرية والنقدية ، منها كتاب " رؤى مستقبلية " الصادر عن دار الفارابي ، والممتد على 208 صفحات ، وهو قراءات في سير وأعمال عدد من المفكرين والكتاب العرب ، الذين يشكلون التيار النهضوي الفكري التجديدي ، ومن اجيال مختلفة ، منهم رفاعة الطهطاوي وطه حسين وسلامة موسى ونجيب محفوظ وتوفيق يوسف عواد وسواهم .

وهو ليس بكتاب نقدي وفق المعايير المتعارف عليها ، وإنما كتاب سردي تحليلي ، يلقي الضوء على جوانب عديدة من نتاج هؤلاء المفكرين والكتاب المعاصرين ، برؤاهم المستقبلية ونظرتهم الاشتراكية ، وتحتفي بالجانب النضالي في فكرهم .

وحول كونه ناقدًا ماركسيًا يطرح قضايا النهضة والعدالة والتقدم الاجتماعي في كتابه هذا وفي الكثير من كتبه السابقة ، يقول دكروب في حوار أجراه معه اسكندر حبش في صحيفة " السفير " اللبنانية المحتجبة اليوم ، بعيد صدور كتابه " رؤى مستقبلية " : " في رأيي أنا الماركسي ، ليس هناك نوع اسمه نقد ماركسي . لا سابقًا ولا الآن ولا لاحقًا ، رغم أن هذا التعبير قد ذاع وشاع وملأ الاسماع . هناك نقاد لهم رؤى ماركسية الى الحياة والكون والمجتمع . كما ان هناك نقادًا آخرين لهم رؤى نقيضة ، برجوازية او اسلامية او متدينة او ليبرالية وكل ناقد من هؤلاء يكتب وجهة نظره وموقفه من الدنيا والحياة . فلماذا صار يؤخذ على الماركسي انه والعياذ باللـه انه لا يزال ماركسيًا . فهو بالدرجة الأولى انسان له الحق في أن يرى رأيًا في هذه الدنيا ويتخذ موقفًا من مختلف القضايا المطروحة على صعيد المجتمع . وانا ازعم ان عددًا من النقاد العرب ينطلقون فكريًا من أساس ماركسي في نظرتهم الى النصوص الأدبية وإلى الأوضاع الاجتماعية ، ولكن كل ناقد منهم يختلف بالتأكيد عن الناقد الماركسي الآخر " .

ومن نافلة القول ، كتاب " رؤى مستقبلية " هو دراسات تتناول الجوانب والنزعات اليسارية في كتابات كوكبة نهضوية من الكتاب والادباء العرب ، ويقرأ مواقفهم من خلال رؤيته الماركسية لقضايا المجتمع والنهضة والتقدم والحضارة والحداثة .
إنه كتاب مرجعي هام ، يثري العقل والفكر ، ويستحق القراءة ، وطاب ثرى سنديانة لبنان الحمراء محمد دكروب . وما احوج اجيال العصر لرؤى ومواقف هذا الرجل ، الذي قدم الكثير من اجل مستقبل الشعوب الكادحة المناضلة لأجل التحرر والاستقلال ، وبناء المجتمعات المدنية العصرية .
...