كنوز نت - بقلم : دنيا الطيِِّب


وداد البرغوثي "المرأة التي أعادت صياغة الموت"


كلّ كتاب، لوحة، رواية أو أيّ فنٍّ آخرٍ هدفه الأسمى تشكيل حالة بحث: عن الروح، المصير، الأحلام وغيرها من الأشياء. إلّا أنَّ رواية الوجوه الأخرى لوداد البرغوثي شكَّلت حالة "عثور على المعنى والذات".

رواية "الوجوه الأخرى"

أعترف أنني سافرت كثيراً داخل هذه الرواية، وحين أقول سافرت فالأمر لا يقتصر على الأماكن بل الأحاسيس أيضاً، كيف انتقلت بي الكاتبة من مشاعر الفضول والشغف الى الخذلان والتستّر ثمَّ جرَّتني بلغةٍ بديعةٍ الى رؤوس الشخصيات التي لو لم تُخلَّد في روايتها لما تذكَّرها أحدٌ قطّ.
عادت بي الى الماضي، والماضي يشكِّل على نحوٍ ما، فنّاً، فهي لم تكتفِ بالسماح لي بلمس وجوه الشخصيات فقط بل جعلتني أرتديهم مثل كنزةٍ أو قبَّعة، تارةً حين تنهال المشاعر الباردة وتارةً حين تنبثق أشعة شمسٍ دافئةٍ من عمق المأساة ضاربةً باسوداد الحبر المطبوع عرض الحائط. كانت التفاصيل كاملة ككمال الوطن، وما زلت أذكر اللقاء الأول الذي جمع بين أسماء وأم عصمت داخل "محل الحلويات" والتي لم تأكل حُلواً بل تركت مصائبها تأكلها مجسِّدةً بذلك عبثيّة الحياة وحال المرأة الفلسطينية التي لم تنل من الطمأنينة إلّا رائحتها.

لم تعترف الكاتبة بأنَّ للعلاقات بين البشر بداية ومنتصف ونهاية، بل اعتبرت أنَّ كلّ شخصٍ نلتقيه سواء تركنا معه جزءاً من روحنا أم لم نترك فما هو إلا مجموعة مواقف ولحظات بمشاعر متقلِّبة مهما حاولنا اكتشافها والخوض فيها فإنها لن تمكننا أبداً من معرفة الحقيقة، فالحقيقة قد لا تكون مصدراً للراحة في أغلب الأحيان. أحببتُ التسلسل الذي سارت به الأحداث والهدوء الذي تمرَّدت عليه الرواية باستحضار أغنياتٍ من الزَّمن الجميل دون أن ننسى الحوارات التي استخدمت فيها العامّية الفلسطينية مضيفةً الى العمل وجوداً وهويّة.


من الأشياء اللافتة اسم عائلة "الندّام" التي مثَّلت ولو بطريقةٍ غير مباشرة مشاعر الندم التي بدا بالنسبة لي أنها لن تفارق تلك العائلة، فقد وُجد النَّدم بأشكال عدّة داخل الرواية ولم يقتصر فقط على المشاعر التي تجرّ المرء الى حالات اكتئاب تختلف درجاته، بل جسَّدت ردّات فعل مختلفة أنا كقارئة لم أتوقعها بتاتاً وحبكاتٌ كهذه من الطبيعي أن تكون لدى أستاذةٍ في الأدب مثل وداد.

منحت الفداء معناه الصّادق والحقيقي فكان الفرد على استعدادٍ دائم للسقوط في حضن الموت مقابل انهيار مكعَّبٍ اسمنتيٍّ واحدٍ من تلك المكعبات التي يضعها الاحتلال، ما شكَّل فارقاً بالنِّسبة لي هو طريقة وصفها لفلسطين، البلاد التي أحبَّت هواءها وشمسها وبحرها وراقبت من خلالها تقلُّب المناخ والوجوه على العكس من روسيا التي لم تذكر اسم نهرها ولا اسم المكان الذي جرت فيه الأحداث مانحةً بذلك فلسطين القيمة الأعلى والمكانة الأكبر وتفصيلٌ صغيرٌ كهذا من المستحيل أن أمُرَّ دون أن أذكره.

وفي الحديث عن الخسارة والحُبّ الضائع لا أنسى أبداً كيف انتعلت كلّ شخصيةٍ من الشخصيات مصيراً وسارت به غصباً عنها في حين اعتقدت أنَّها اختارت مصيرها بنفسها، وضحكتُ حين فكَّرت بأنَّ هذا ما يحدث لنا جميعاً، سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك. فبعض الشخصيات عاشت الحبّ وذاقت مرارة الفقد في سبيل ارضاء رغبات اآخرين .. إنّك وببساطةٍ تقف أمام عملٍ يعلِّمك كيف تثور.

بخصوص الموت، لأنَّ الموت موجودٌ دائماً ولأنَّ الموت واردٌ بكثافةٍ في هذه الحياة اعتقدت أنَّ وجود مشهدٍ يصف الموت لن يهزَّ شعرةً في جسدي، لكنني صُدمت حين وجدتني بعينين مفتوحتين على وسعهما أراقب شخصيةً وهي تموت، كيف سارت بثباتٍ منذ البداية نحو مصيرها وكيف لم تترك وراءها ابتسامات ولا لحظات حبٍّ دافئة بل حفنةً من الورق الأبيض الرخيص، من المخيف أن يغادر المرء حياةً طويلةً عريضةً ولا شيء معه، ولا حتى صور جميلة في عينيه يتألَّم على التهام الدود لها.

خلاصة\\الوجوه الأخرى:  


"المرأة التي أعادت صياغة الموت" كنت أعرف منذ البداية أنني أمام استثناء، أمام انسانةٍ تنظُر، تتأمل، تقاوِم. رواية الأستاذة وداد "الوجوه الأخرى" كانت كالشُرفة التي تطل على الأرواح، أنت الجميع وأنت نفسك في آنٍ واحد، أجادَت فنّ تشكيل المعنى ومنحتنا أنوفاً لنكتشف أنَّ في البلاد روائح أخرى غير الدَّم، رائحة البحر، الصباح والأزقة، وأنَّ هناك حالات وجودية يسودها الاطمئنان، الترقُّب والنظر باستمرار نحو النجوم وأخرى يسودها الارتباك، الخوف والنَّدم، فحين يخون المرء وطنه، لا يخون الأيادي التي مدَّت سواعدها له ولا الأرواح التي نظرت إليه يايمانٍ وثقةٍ بل يخون شمس الصَّباح، الهواء النظيف والسماء التي يسير تحتها. ما جسَّدته الأستاذة في روايتها من صورٍ ومشاعرٍ وأغنياتٍ وحواراتٍ وندمٍ هو إعادة هيكلة لمفهوم الزمان، المكان، الوجود، الحياة، الوطن وحتى الموت.