كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن


               

في مسألة حرية الكلمة والإنسان



مسألة المبدع والمثقف في مواجهة الواقع ، كانت وستظل من المسائل المطروحة على اجندات النقاشات والسجالات الثقافية والحضارية . ومنذ أن حكم على حسين أبو منصور الحلاج بالموت وسيف السلطان يتهدد كل من تسول نفسه السباحة بعكس التيار ، والتفكير المختلف ، والموقف المغاير ، والاقتراب من الثالوث المقدس .
فقد عملت النظم السياسية العربية الحاكمة على خنق الفكرة الجديدة ، ووأد الكلمة ، وكبت الأصوات الحرة العلمانية . واتخذت هذه النظم من رجالات الدين وقوى السلف الغيبية المتشددة والمتحجرة سيوفًا مسلطة على رقاب المثقفين من معسكر التقدم والحرية والتنوير ، بإلصاق تهمة التكفير والردة بحقهم .
وهذه المواقف والممارسات أدت إلى تعثر وإخفاق مشاريع النهضة والتنوير في المجتمعات العربية ، وتعطيل حركة التطور ، ووقف مسيرة الحضارة ، وإطفاء كل بارقة امل نحو التغيير النوعي والجذري المأمول .
ففي مصر تعرضت المسارح لاعتداءات الأصوليين والسلفيين الارهابين ، وصودر كتاب طه حسين في " الأدب الجاهلي " ، وأعتدي بالسكاكين على الأديب والروائي المصري المعروف الراحل نجيب محفوظ ، واغتيل فرج فودة وصودرت مؤلفاته ، وهُدِرَ دم المفكر التنويري الكبير نصر حامد أبو زيد ، وحوكم بتهمة الردة وتم التفريق بينه وبين زوجته .

وفي لبنان صودر مؤلف المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم " نقد الفكر الديني " وحوكم وتم تغريمه . وفي سورية صودرت رواية " وليمة لأعشاب البحر " للروائي السوري حيد حيدر . وفي الجزائر والاردن وغيرهما من البلدان العربية رفعت عشرات دعاوى التكفير ضد رجالات الإبداع والفكر ورموز الثقافة العلمانية ، والإنسان العربي المقهور صامت وعاجز عن الرد على هذه الممارسات غير الديمقراطية ، ومشغول بالبحث عن رغيف الخبز المغمس بالذل والهوان .
وكما يقول صادق جلال العظم في كتابه " ذهنية التحريم " : " إن القوى الظلامية تنصب ذاتها وكيلًا عن اللـه ، وتستثمر هذا التنصيب إلى حدوده العليا ، فتدمر العقل والثقافة والإنسان . إنها لا تدافع عن اللـه والتعاليم السماوية ، بل تستثمر الله في بنوك الجهل من اجل الدفاع عن مواقعها الخاصة ، وعن المصالح الاجتماعية التي ترى في استمرار الوهم والتفكك العقلي أساسًا لبقائها " .
إن حرية الكلمة من حرية الإنسان ، وأمام كل محاولات وأد الكلمة ، واغتيال الفكر ، ومحاصرة الإبداع الحر، فإن مسؤولية أهل القلم والفكر والأدب وكل المثقفين أن يهبوا هبة رجل واحد والوقوف أمام الممارسات التي تقوم بها النظم الحاكمة في الأقطار العربية ، وبتحريض وتشجيع القوى الظلامية ، ضد المبدعين والمثقفين العرب ، دفاعَا عن حرية العقل والتفكير والإبداع .
ففي البدء كانت الكلمة ، وهي أساس الحرية ، ومعها تكون حرية الإنسان .