كنوز نت - حيفا ــ ناهد درباس - العربي الجديد

الداخل الفلسطيني : جرائم برعاية اسرائيلية


جرائم قتل... فوضى أسلحة تفتك بفلسطينيي الداخل


منذ عام 2000، سُجّلت 1344 جريمة قتل بين فلسطينيي الداخل، الأمر الذي يثير قلق المعنيين، لا سيّما أنّ مصدر السلاح المستخدم في تلك الجرائم بمعظمه يعود إلى الجهات العسكرية الإسرائيلية.

تتكرّر جرائم القتل في الداخل الفلسطيني، معظمها بواسطة أسلحة نارية "محظورة"، بمعنى أنّها "غير مرخّصة". وتلك الأسلحة هي إمّا تكون مهربّة، وإمّا مسروقة في الأساس من مستودعات الجيش الإسرائيلي، وإمّا مشتراة من جنود إسرائيليين متورّطين بتجارة السلاح أو بمقايضة السلاح بالمخدرات. وفي الأعوام الأخيرة، راحت جرائم القتل تمثّل مصدر قلق كبير، إذا لم يكن الأكبر، لفلسطينيي الداخل، ومؤشراً واضحاً إلى انعدام الأمان الشخصي. وتتعدد أسباب جرائم القتل تلك، فنذكر العنف الأسري الذي يستهدف النساء، والعنف الجنائي الفردي الذي يأتي على خلفيات نزاعات مختلفة، والعنف على خلفية نزاعات عائلية، أمّا الخطر الأكبر فهو العنف المرتبط بنشاطات عائلات الإجرام المنظم. وفي مقابل تفاقم ذلك منذ عام 2000، يظهر بوضوح تقاعس الشرطة الإسرائيلية، خصوصاً في ظل معطيات تؤكد أنّ مصدر أكثر من 85 في المائة من الأسلحة المستخدمة في تلك الجرائم هو مستودعات الجيش الإسرائيلي أو جنوده، وقد تمّ تناقلها بين عصابات إجرام يهودية لتصل إلى المتعاونين معها من مجرمين في المجتمع الفلسطيني، أو تمّ شراؤها مباشرة من الجنود.

ويقدَّر عدد الأسلحة بحسب ادعاءات الشرطة الإسرائيلية ووزارة الأمن الداخلي بعشرات آلاف القطع "غير المرخّصة". ويُستخدم هذا التعبير للدلالة على أنّ أصحاب تلك القطع هم من العرب الفلسطينيين الذين حصلوا عليها بطرق غير قانونية، لأن استصدار رخص حمل السلاح ممنوع على فلسطينيي الداخل، ما دام لا يعمل في أجهزة الدولة كالشرطة ومصلحة السجون، أو أنّه لم يؤدّ خدمته في سلك الشرطة والجيش، أو لا يُعَدّ من ضمن الذين يُعرفون بالمتعاونين مع الشرطة الإسرائيلية.

إدانة للمؤسسات الإسرائيلية

استخدام الأسلحة النارية في جرائم القتل في الداخل الفلسطيني، في خلال الأعوام الأخيرة، دليل إدانة للشرطة وللمؤسسات الإسرائيلية التي تدّعي أنّها تعمل على مصادرة السلاح غير المرخص، وتستغل انتشار ذلك السلاح للتحريض على المجتمع الفلسطيني في الداخل والزعم أنّه دولة في داخل دولة ويرفض التعاون مع الشرطة لحلّ جرائم القتل. وهذا ما يعدّه كثيرون مجرّد تبرير لتقاعس الشرطة عن أداء واجبها المدني، بينما يراه آخرون سياسة مقصودة تدخل من ضمن خطط إسرائيلية واضحة لتفتيت المجتمع الفلسطيني وإشغاله بنفسه.

يقول المحامي رضا جابر، مدير جمعية "أمان" التي تعنى بقضايا العنف ومواجهته في المجتمع الفلسطيني، إنّ "المجتمع الذي تكثر فيه التناقضات والتوترات الاجتماعية والاقتصادية ويمرّ بمراحل متفاقمة من الغليان بالتزامن مع العيش في داخل نظام سياسي يعاديه ويضعه على هامش الهامش، لا بدّ من أن تنتشر فيه السلبيات في حال لم يتدارك الوضع في المراحل الأولى وترسم له قيادته طريقاً مقاوماً ومعالجاً لكل ذلك". بالنسبة إلى جابر، فإنّ "المجتمع الفلسطيني مرّ وما زال يمرّ بمراحل متسارعة من التغيّرات في بناه الاجتماعية والاقتصادية. فالأسرة النواة والحمولة والانتماء إليهما والسلطة التقليدية التي جعلت المجتمع متماسكاً، كلّها تغيّرت بصورة هائلة. لكنّ تلك التغيّرات، التي طاولت كذلك مجتمعات عربية أخرى، تأخذ بعدها السلبي (في حالة فلسطينيي الداخل) عندما لا تتوفّر سلطة مركزية لتطبيق القانون، سلطة ترصد السلبيات وتحاول إيجاد أجوبة لها وبرامج علاجية ووقائية. هنا، بخلاف ذلك، تقف السلطة موقف الغائب الحاضر. الغائب عندما يكون وجودها ضرورياً للجم عصابات الإجرام وحاضرة عندما تريد هدم عشرات بل مئات من بيوت مواطنيها. إنّ انعدام الثقة العميق بين المواطن والسلطة أعطى فرصة ذهبية لعصابات الإجرام للتوغّل في مجتمعنا".

بدوره، يؤكد رئيس اللجنة القطرية للمجالس العربية، مضر يونس، لـ"العربي الجديد"، أنّ "لبّ المشكلة هو انتشار السلاح غير المرخّص وسهولة وصول الشبان إليه في مقابل قصور الشرطة وتقاعسها في إلقاء القبض على الجناة، أو حتى في عمليات التفتيش عن ذلك السلاح وجمعه". يضيف يونس أنّه "إلى جانب مشكلة السلاح غير المرخّص، يأتي دور عائلات الإجرام". وكغيره من أصحاب الشأن في السياسة المحلية وفي السياسة القطرية (الأحزاب العربية) على حدّ سواء، ينضمّ يونس إلى القائلين بـ"فعل سياسة التمييز ونتائجها في تكريس الفقر وغياب الموارد المادية التي يفترض توجيهها لاستيعاب الفئات الشابة"، مشدداً على أنّ "العنف ينتشر بين العائلات ذات الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعبَين".

بعد سياسي

من جهته، لا يتردد رئيس لجنة المتابعة العليا للفلسطينيين في الداخل، محمد بركة، في الإشارة إلى "البعد السياسي ودوره في إشاعة العنف والجريمة". ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ "إشاعة العنف وسلاح الجريمة مصدره الأساسي الجيش الإسرائيلي باعتراف المسؤولين في المؤسسات الرسمية"، مضيفاً أنّه "بعد أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2000، كان قرار واضح من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باختراق المجتمع العربي وتفتيته من الداخل. في تلك الفترة تحديداً، بدأ ينتشر سلاح الجريمة". ويرفض بركة بأيّ شكل "فهم محاولات السلطات الإسرائيلية تحميل المسؤولية للمجتمع الفلسطيني وقادته أو الحديث عن عجز في الوصول إلى معلومات حول السلاح غير المرخّص، قائلاً إنّ "إسرائيل تدّعي امتلاكها أجهزة أمنية و(ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو يتباهى بإحضار ملفات من الاستخبارات الأمنية ويعرضها في مؤتمر صحافي متظاهراً بعجز الحكومة عن القيام بواجبها في تجفيف مستنقع الجريمة في المجتمع العربي". ويتابع بركة أنّ "في مدينة نتانيا، سُجّلت نسبة الإجرام الأعلى في إسرائيل وتقرّر القضاء عليه. وهذا ما حصل بعد حملة مكثفة منذ عام 2007. لكنّ الحرب على عائلات الإجرام في المجتمع اليهودي حوّلت الجريمة الى المجتمع العربي. وثمّة حقيقة أخرى وهي أنّنا جزء من الشعب الفلسطيني ولنا التقاليد والعادات ذاتها، فكيف يمكننا فهم أنّ نسبة الجريمة عندنا تأتي مضاعفة ثلاث مرّات بالمقارنة مع نسبة الجريمة في الضفة الغربية المحتلة؟". ويؤكد أنّ "ذلك يبيّن أنّ في فلسطين المحتلة ثمّة إرادة سياسية للقضاء على الإجرام، فيما ثمّة إرادة سياسية لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل لإشاعة الإجرام في المجتمع العربي. هذا أمر يبدو واضحاً الآن. وبما أنّ الشرطة تعرف من يحمل السلاح، فأنا لا أستبعد أن تستغل هؤلاء من أجل إسقاطهم في مشاريع سياسية".

ويؤكّد بركة على "العلاقة الوثيقة بين المؤسسة الأمنية وتفشّي العنف، وبين ما شهدته الانتخابات الأخيرة للبلديات في العام الماضي من مظاهر عودة الطائفية وتغلغل عصابات الإجرام سعياً إلى دقّ الأسافين بين المجتمع الفلسطيني وبين أحزابه قياداته السياسية ومن ثمّ الهجوم على تلك الأحزاب". ويختم: "يريدوننا مجتمعاً مشغولاً بالجرائم، مشغولاً بالتفتت والتشرذم حتى يسهل عليهم تنفيذ مشاريعهم السياسية، فلا نتفرّغ للقضايا التي تفرضها السياسة الإسرائيلية".

نساء ضحايا

جرائم القتل في المجتمع الفلسطيني تطاول كذلك، وبصورة مقلقة، النساء. هؤلاء مستهدفات، في حالات كثيرة، من قبل أقارب لهنّ. تقول في السياق مديرة "جمعية النساء ضد العنف" نائلة عواد لـ"العربي الجديد" إنّ "المجتمع يتعامل مع موضوع النساء ضحايا القتل على شكل أرقام، فيما نحن نشدّد على أنّ لكل امرأة اسماً، وكذلك على أنسنة الضحايا". تضيف: "للأسف، فإنّ المجتمع لا يقدم على تحرّك بحجم جريمة قتل امرأة عند وقوعها، ولا نرى ترجمة لغضبه على أرض الواقع من خلال حشد الجماهير للخروج إلى الساحات والنضال"، شارحة أنّ "ثمّة لامبالاة عامة تجاه كل القضايا المجتمعية، ومنها قتل الشباب في مجتمعنا. وللأسف، مرّة جديدة، عندما تكون القضية قتل النساء، فإنّ الرد والحراك يأتيان فقط من قبل الجمعيات النسوية".

وتقرّ عواد بأنّ "ثمّة تغييراً طرأ على دور الأحزاب بالمقارنة مع الحال في السابق، لجهة المشاركة التي تأتي أكبر والدعوات الأكثر. لكنّ ذلك لا يصل إلى حيث نطمح، أي أجندات عمل للأحزاب". وتشير إلى أنّه "في عام 2006، وقّعنا كجمعية ميثاقاً مع الأحزاب الفاعلة حول ثلاث قضايا، منها منع العنف وقتل النساء ودور تلك الأحزاب"، مؤكدة أنّ ثمّة "تفاوتاً بين الأحزاب وبين أعضاء البرلمان في العمل على موضوع العنف وقتل النساء... والمسيرة طويلة".

"بناء الثقة"

تؤكّد دراسات مختلفة في الأكاديميا الإسرائيلية أنّ سياسة التمييز والإفقار المتبعة ضدّ الوسط العربي ترفع مستويات العنف والجريمة، لكنّها في المقابل تدّعي أنه لا يمكن تحميل الشرطة الإسرائيلية مسؤولية تفشّي العنف، مروّجة للادعاءات الرسمية بأنّ العنف ينبع كذلك من "مميزات اجتماعية وثقافية" وبعدم تعاون السكان الفلسطينيين مع أجهزة الدولة. وهذا ما ذهبت إليه مثلاً دراسة نشرها مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أقرّت بأنّ الثقة بين الدولة والمواطن العربي مفقودة، كذلك الأمر بين الشرطة والمواطن العربي الذي يلتقي بها في خلال سعيها إلى قمعه في تظاهراته وفي اقتحامها بلداته بهدف هدم البيوت وممارسات قمعية أخرى.

في السياق، دعت دراسات مختلفة إلى الإتيان بمحاولات لـ"بناء الثقة" بين الدولة والمواطن الفلسطيني في الداخل، وهو ما سعت إليه حكومات إسرائيلية بطريقة لافتة للنظر. وهذا ما يشير إليه بركة عندما يقول إنّها "سعت إلى استغلال حالات وعمليات العنف والجريمة والتقاعس في مواجهتها، في محاولة ترويض العرب، عبر إطلاق حملات ومشاريع مختلفة لإغراء شبان عرب وتجنيدهم في سلك الشرطة الإسرائيلية".

ولمّا كانت الخدمة في سلك الشرطة مرفوضة عموماً، لا سيما في سنوات الغليان بعد هبّة القدس والأقصى في عام 2000 التي قتلت في خلالها شرطة الاحتلال 13 شاباً من الداخل الفلسطيني في تظاهرات التضامن مع الشعب الفلسطيني عقب اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون المسجد الأقصى، فقد مارست وزارة الداخلية ووزارة الأمن الداخلي ضغوطاً هائلة على رؤساء سلطات محلية لإنشاء مراكز للشرطة فيها وتجنيد شبان عرب في ما سمّي حينها "الشرطة الجماهيرية"، بالإضافة إلى إطلاق مشاريع لتسيير شرطة بلديات. لكنّ مثل تلك المشاريع لم تجد قبولاً لدى السلطات المحلية، ففرضت وزارة الأمن الداخلي إنشاء مراكز شرطة في عدد كبير من البلدات العربية، من دون أن ينعكس ذلك على خفض نسبة العنف والجريمة، بل ازدادت جرائم القتل لتبلغ أوجها في عام 2017 مع 72 جريمة.

تقارير بالجملة

في سياق متصل، كانت النائبة عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي حنين زعبي قد رفعت في عام 2011 تقريراً مفصّلاً عن قصور الشرطة إلى وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي آنذاك يتسحاق أهرونوفيتش، فنّد الادعاءات بعدم تعاون عائلات الضحايا مع عمليات التحقيق وتعرّض من قدّموا إفاداتهم للقتل والعنف. وفي العام الماضي، عادت زعبي لترفع تقريراً محدّثاً لمراقب الدولة، غير أنّ ذلك لم يأتِ بنتيجة، وظلّ موضوع جرائم القتل وفوضى السلاح أداة بأيدي الحكومة لمناكفة الأحزاب العربية ومحاولة نزع شرعيتها وبثّ الإحباط في داخل المجتمع الفلسطيني وتحميله مسؤولية الجرائم التي تهدّد نسيجه الاجتماعي. يُذكر أنّه بعد الإعلان عن تعيين ضابط عربي برتبة لواء، هو اللواء جمال حكروش، "لمواجهة العنف والجريمة"، تبيّن لاحقاً أنّ المهمة الرئيسية هي فتح نقاط شرطة إضافية ومضاعفة جهود تجنيد شبان عرب في سلك الشرطة الإسرائيلية.

تجدر الإشارة إلى أنّ تقريرَي زعبي ليسا الوحيدَين، فقد أعدّ مركز أبحاث الكنيست في فبراير/ شباط 2018 تقريراً مشابهاً لهما بناءً على طلب من النائبة عايدة توما رئيسة اللجنة البرلمانية للنهوض بمكانة المرأة، بيّن على سبيل المثال أنّ 85 في المائة من إهمال العناية بالسلاح المرخّص في الدولة هو من نصيب مواطنين يهود. كذلك كشف، مثل تقارير أخرى، أنّ نسبة الجريمة والمتورّطين في الجريمة من المجتمع الفلسطيني تفوق بثلاثة أضعاف نسبة مجمل جرائم القتل والعنف التي تقع سنوياً. وقد بلغت نسبة ضحايا جرائم القتل عند العرب في الداخل 61 في المائة من مجمل جرائم القتل بين عامَي 2014 و2016، بحسب معطيات تقرير توما، مع أنّ نسبة الفلسطينيين في الداخل لا تتعدّى 20 في المائة من مواطني الدولة.

العربي الجديد