كنوز نت - بقلم : يوسف جمال



الحمل الكاذب

منذ ان حبلت جميلة الصابر, نتيجة للدواء الذي وصفه صادق العارف لزوجها, والناس في هذه البلد في هرج ومرج, واصبحت سيرتها هي وزوجها على كل لسان .. حتى وصل الأمر " بحذيفة الطاهر " ان تقول :
" ان بطنها ليس بطن حبل "هذا نفاخ .. " !
وصادق العارف رجلٌ انتشرت سيرته في كل الافاق .. فمنهم من يقول انه " نصاب " " يضحك " على ذقون الناس وجيوبهم .. ومنهم من يقول ان الله اعطاه العلم من حيث لا يدري وفي يده بركة .
ولكن الذي لا يختلفون عليه جميعاً , ان الله آعطاه لساناً أملساً " ينقط " حلاوة وعسل , حتى ان أم السعيد قالت :
 الصادق هذا " يأخذ البيضة , من تحت الدجاجة دون ان تدري .! "
   وانك عندما تدخل الى القرية ,لا بد لك ان تصطدم بابتسامته المضي, التي لا تفارق وجهاً مربوعاً واسعاً , وعينين متقرنتين تعلوهما حاجبان سوداوين , وشعر خروبي أملس .
وسرعان ما تنتبه الى شاربيه العريضين ,اللذان يكسوان كل المساحة التي تفصل بين فمه وأنفه, يتشعَّب منهما جناحان معقوفان شكلاً بعنايه , فيضيفان على وجهه هالة من الهيبة والوقار - يلبس " بدلة " كاملة بألوان مختلفة , يتراءى من تحتها قميص أختير بعناية , لونه يناسب لون البدلة تزينه ربطة عنق , غالباً ما يغلب عليها اللون الأحمر سيد الألوان , يزينها دبوس ذهبي يلمع لمعاناً , رائعاً إذا ما لفحته أشعة الشمس .
وعلى جيب معطفه , تتربع وردة حمراء جميلة , كانت هي دائماً بطاقة حضورة ’وشعارة الذي يدخل به الى عقول وقلوب من يتعامل معهم .. حتى ان " أم السعيد " كانت تقول:
 "الصادق دائماً مثل العريس قبل الدخلة " ..
والحادثة الأخيرة التي حولت القرية الى فم واحد يضحك ..
 هي " عملته "مع ابي العاهد .!
 جاءه بعد ان سمع بِحَبَل " جميلة الصابر " , واتهمه بالنصب والاحتيال والكذب على الناس ..
.فتحدّاه الصادق - إنه إذا ما ربطه بحبل بعامود , بالطريقة التي يرتئيها , فإنه بواسطة قراءة شيئاً من التعاويذ وهو يقف بعيداً عنه , سيحل الحبل ويحرره منه دون ان تمسَّ الحبل يد انسان .
وكان من بين الحضور رجلان من القرية , " أبو ماجد " و " أبو محمد " ..
فطلب منهما " الصادق " ان يكونا شاهدين على الرهان , ومن يخسر الرهان, يدعو أربعتهم على عشاء على حسابه . وكانوا يجلسون في شرفه ارضية لدكان القرية , وكان للشرفة عامودان .
فطلب " الصادق " من صاحب الدكان " أبو محمد " , أن يبيعه ثلاث أمتار من الحبل ,وطلب من أبي العاهد ان يلتصق بالعامود.
  ثم اخذ الحبل وبدأ يلفُّ به جسمه مع العامود , فلفَّه من فوق القدم حتى وصل الى رقبته, ومن ثم عقد الحبل عدة عقدات , وشدَّ الحبل بقوة حتى تأكد من متانة وقوة الربط .
 توجه الى أبي ماجد وأبي محمد , واستحلفهما بالله ورسوله , ان لا يفكّا رباطه , إلا بعد انتهاء صلاة الجمعة .!
 ومن ثمَّ " ودَّع " الرجلين قائلاً : " بخاطركم .! ".

 وغادر المكان متوجهاً الى بيته , وبقي " أبو عابد " مربوطاً مدة تزيد عن الساعة حتى مر إمام البلد وبعض المصلين , ففكوه وسط ضحكات المصلين الذين توافدوا في هذه الساعة الى المسجد , مارين بالدكان لأداء صلاة العصر . واعتكف ابو عاهد في بيته عدة اشهر, مخفياً خزيه وخجله عن عيون والسنة اهل البلد .
اما حمل جميلة فهو امر جلل , الى درجة ان السنة وعقول اهل البلد بذلت جهوداً جبارة لتفسيرة ,الا ان هذه الجهود ذهبت ادراج الرياح . والسبب ان زوجها " سالم الوجيه " قد مر بكل الفحوصات الطبية, وكانت نتيجتها انه عاقر , وانه لن يحظى " بنعمة" الخلفة , كما كانت تقول الحاجة " عيشة الهلال "
 " وله كيف حبلت " جميلة " .!؟
حتى زوجها " سالم " بدأ يتشكك في الأمر , ولولا ان يده التي تناولت الخلطة التي صنعها الصادق وسمعه يقول: " اشربها وستزهق الخلف " لقتلته شكوكة واتهم زوجته الصالحة بمعاشرة رجل غيرة والعياذ بالله ."
وليست هذه المرة الاولى ,التي يصنع الصادق فيها العجائب ’ فهو الذي وصف دواء القريص " لأبي حمدان الجمال " ,الذي كان يشكو من الحبيبات التي تتشكَّل جميع انحاء جسمه , ومن ثم تتحول الى قروح تملأ بالمداد , وتسبب له آلاماً شديدة , ولم يترك طبيباً الا زاره , او وصفه شعبية الا واستعملها طالباً الشفاء منها.
 ولكن كل جهوده لم تأت بفائدة ترجى , حتى التقى "بالصادق" ووصف له وصفة القريص- والتي كادت ان تلحقه بالرفيق الاعلى ..
 في البداية قابل حديث "الصادق" بالسخرية والتندر, ولم يحملها على محمل الجد. ولكن المريض يتعلق من اجل شفائه بشعرة . فصمَّم على تنفيذها مهما كلفه الأمر.
ففي احد الليالي الصيف الحارة التي غاب قمرها , وترك للظالم الدامس فرصة الاستبداد بالقرية .
 خلع ملابسه وبقي عارياً كما ولدته أمه , وتسلل الى خرابة بيت جارهم المهدوم, الذي تركه اصحابه, وتشتتوا لاجئين في ديار الغربة , فنبتت به نباتات القريص "على حريتها" ودون إزعاج ,من احد حتى أصبحت أطول من قامة رجل , حتئ الحمير باتت تخاف اقتحامها ,خوفاً من كي لسعاتها ,التي هي اقسى من لسعات الدبابير .
وعندما وصل "حقل" القريص , رمى بنفسه عليها , وبدأ يتمرمغ عليها عارياً ,صابراً على سكاكينها ,التي بدأت تقطع كل قطعة من جسمه .
ولما شعر انه اخذ كفايته من دواء القريص, تسلَّل راجعاً الى بيته ولم يصح إلا على اصوات خافتة تهمس من حوله ..
ولما فتح ,جد نفسه نائماً على سرير أبيض تحيطه عائلته ، فعرف أنه يرقد في المستشفى ,وأنه نام نومه امتدت إسبوعاً كاملاً , جعلت زوجته واولاده يفقدون الأمل في خروجه منها . ولكن الغريب في الأمر ان الحبيبات والقروح اختفت من جسمه والى الابد. واحتار أهل البلد هل شفي حمدان الجمال من وصفه الصادق , ام نتيجة لمعالجته في المستشفى .
        والقصص والحكايات حول الصادق كثيره , فلها نصيب مهم في حكاية تاريخ هذا البلد .
ولكن أشهرها كانت قصة حمل جميلة الصابر.
ولما بدأ بطن جميلة يكبر وتكبر , وتزيد معه الأقاويل والشائعات ,احتاج زوجها الى جلد فيل حتى يتحملها , بالإضافة الى الوساوس والشكوك , التي كانت تنهش لحمه من الداخل.
ورفضت "جميلة" جميع نصائح صديقاتها وقريباتها وجاراتها من النساء بالتوجه الى العيادة الطبية , لإجراء الفحوص الضرورية مكتفية بالقول:
"انا متوكله على الله ولا أحد لي غيره .
     ولما دخلت في شهرها الثالث , وأصبحت عاجزة عن احتمال ضغوط السنة الناس وعيونهم، توجهت الى العيادة الطبية لاجراء الفحوص "وتقلع بها" كل عيون والسنة الحاسدين والمشككين . وهناك خرج الطبيب بالنتيجة القاسية : ان حملك هو حمل كاذب . انه نادر الحدوث ولكن حدوثه ممكن .. أضاف الطبيب .!