كنوز نت - قراءة المحامي حسن عبادي


الغضب الساطع آت


سنحت لي الفرصة لأشارك، برفقة الفنّان جميل عمريّة، يوم الثلاثاء 19.03.2019 حفل افتتاح معرض "طبيعة شبه مجرّدة" للفنّان التشكيليّ خليل ريان، في جاليري طمرة، فرع نادي الصداقة، بالشراكة بين جمعيّة الصداقة وجمعيّة تل كيسان، تلبية لدعوة تلقّيتها من كانزِه الفنّان أحمد كنعان. ضمّ المعرض أعمال قديمة وحديثة للفنّان، وكان أسلوبها وموضوعاتها متعدّدة.

ولد خليل في قرية الدامون الجليليّة المهجّرة عام 1946 أبان النكبة، ليرضع عذاب التهجير وآلامه ويعيش في طمرة المجاورة لبيت أهله المهدوم وأرض أجداده وحقولهم في مرمى بصره.

شارك في معارض فرديّة وجماعيّة وبمهرجانات في البلاد وخارجها حاملًا رسالته بأنّ الفنّ لغة إنسانيّة وكونيّة يجب أن تُقرأ في كلّ زمان ومكان، كلّ يقرأها بلغته وعلى هواه دون قولبة أو تأطير، ولهذا وجدته حداثيًا بريشته بعيدًا عن الشعاراتيّة النمطيّة المقيتة.

زرت في السنوات الأخيرة معارض كثيرة في البلاد وخارجها ووجدت معرضه "فوضويًا" بفوضويّة مرتّبة خليطًا من التجريديّة والواقعيّة والانطباعيّة، أحيانًا، مستعينًا بطبيعته ومشاهدها، مستعملًا ريشته وخياله ليسرح ويمرح دون قيود وأسس تكبّله وتعيقه ليحلّق في سمائه دون حدود رافضًا الأطر التقليديّة ومدارسها وقوانينها.

وجدت ثيمات وموتيفات حاضرة في رسومات مختلفة وعديدة كالمرأة بصورها ووضعيّاتها وكأنّي به مايسترو يعزفها على نايته في أوركسترا نسائيّة متكاملة، وكذلك الحال مع زيتونته الملهمة، حبّه لتلك الشجرة المباركة جعلها موضوعًا رئيسًا وأيقونة وكأنّي به يحتضنها تعويضًا عن أشجار عائلته، وكيف له أن ينسى حقول أجداده وغرسهم وزيتون الدامون! ويريد لكلّ مشاهد أن يقرأها بفكره وخياله ولغته.

يرسم خليل مناظر طبيعيّة من محيط بيئته، تبدو الطبيعة راقصة مِغْناجَة بألوانها الانسيابيّة حسب موسيقى فرشاته الحرّة البعيدة عن قيود الدقّة والتفاصيل المتعارف عليها بلغة الفنّانين التقليديّين الكلاسيكيّين، وكأنّي به يعوّض عن ذاك الفقدان لبيت أهله ليداوي جرحه المفتوح وقساوة الحياة باسترداد تلك الطبيعة السليبة، فصارت الطبيعة ورسمها علاجًا لأزمة الفقد التي نعاني منها علّها تخرجه من كآبة النكبة؟    

تناولت ريشته الحيوانات والطيور على سليقتها وطبيعتها، شاردة وسارحة في البراري لعيدة عن القيود والتدجين، بعفويّة ونشاز.
تنتصب في مدخل المعرض تماثيل برونزيّة دافئة، بهرتني وأخذتني ثانية إلى حديقة فيجلاند بارك التي زرتها في حزيران الماضي وما زالت عاقة في مخيّلتي (حديقة عامّة في حيّ فروجنر الأوسلويّ، تجمع قرابة مائتي منحوتة وتمثال للفنّان غوستاف فيجلاند من البرونز والحديد والجرانيت، تصوّر المراحل التي يمرّ بها الإنسان والحضارة الإنسانيّة)، تماثيل تصوّر نساء بوضعيّات مختلفة ويكاد البرونز يرقص ويغنّي!

شدّتني لوحة الزيتونة الهرمة التي قاومت المحتلّ الغاصب ولم تسمح باقتلاعها عنوةً كأخواتها، وهن كُثر، لتبقَ شاهدة على تلك الجريمة النكراء وعلى التطهير العرقيّ المقيت لفلسطين.

لفتت انتباهي وجذبتني لوحات وأعمال الفنان المميّزة، أسلوبًا ومضمونًا، فرسم وجوه تشعّ معاناة وحسرة وغضبًا ووجهتها ...صوب بيوت وبساتين الدامون، وجاءني صوت فيروز وأغنيتها: "الغضب الساطع آت":

الغضب الساطع آتٍ سأمرّ على الأحزان"
الغضب الساطع آتٍ وأنا كلّي ايمان
الغضب الساطع آتٍ سأمرّ على الأحزان
من كلّ طريق آتٍ بجياد الرهبة آتٍ

من كلّ طريق آتٍ بجياد الرهبة آتٍ
و كوجه الله الغامر آتٍ آتٍ آتٍ"

وهذا ما قلته لخليل وأحمد تحت "صدمة" تلك الوجوه التي لاحقتني صارخة!

وجدت في لوحاته تحدّي ورسالة من بقوا، بريشة فنّان طموح ذو رؤيا ولا يبكي على الأطلال، بل جعل ريشته تصرخ لكلّ العالم بأنّنا شعب يستحقّ الحياة كباقي شعوب العالم.

ملاحظات لا بدّ منها؛ لفت انتباهي غياب كتالوج مهنيّ أو مطويّة تشمل أعمال الفنّان في مجال الفنّ التشكيليّ ويجسّد تطوّر أسلوبه ويتحدّث عن المعرض وصاحبه... وكانزه؟!؟ فحبّذا لو نال اهتمام المسؤولين والمنظّمين وتعاملوا معه بدرجة أعلى من المهنيّة، كما هو متبّع في المعارض.

وكذلك الأمر بالنسبة لتسمية اللوحات وعنونتها؟ كلّ الأعمال بدون عناوين وتساءلت: هل هي رسالة منه للمشاهد والمتلقّي ليسرح معها أينما يشاء؟ هل ترك للآخر قراءتها والتفاعل معها على كيفه وتسميتها كما يشاء! أم سقط الأمر سهوًا؟

من الجدير بالذكر أنّ الفنّان المبدع أحمد كنعان، منظّم وكانز المعرض، بذل جهودًا بدت واضحة على المعرض وساهمت في نجاحه ورافق حفل الافتتاح بعارضة مُحوسبَة حول أعمال الفنّان.

لفت انتباهي بأنّ المعرض قد أقيم بدعم من كهرباء الجليل، خضار وفواكه طمرة، مخبز أحمد زيداني وعلاء الصغير-مصنع غلفون وتسويق-شفاعمرو وهذه مبادرة مباركة وحبّذا لو يحذو حذوهم رجال أعمال في بلدنا لشحّ الميزانيّات والمؤسّسات الداعمة لفنّانينا وفنّنا – وخاصّة الملتزم منه.
                                                                                      
حسن عبادي