كنوز نت - بقلم : شاكر فريد حسن



وقفة مع قصيدة " أيُّها العابرونَ فوق الذّاكرة " لحنان اغبارية


أيُّها العابرونَ فوق الذّاكرة ...
لن تمرّوا ..
فقد تمَّ الغاؤكُم ..
وَشُطبَت من ذاكرةِ التاريخِ أسماؤكُم.
لن تتقدّموا ..
لن تعودوا
فانتم محاصرون.
تحاصركم خيوط الظَّلام.
تكبِّلُ أحلامكُم.
لن تعودوا...
فقد طواكُمُ النسيان.
مثلُ العابِ الحاسوب صرتُمُ...
مجرّدُ أرقام ..
وأحياناً... بلا أرقام ...
وأحياناً بلا أسماء.
لا شهاداتُ ميلاد ،ولا جوازات سفر...
ولا حتّى عنوان...
أيّها التّائهون في دهاليز الزّمن.
من تيهكُمُ إصنعوا حُلُما..
من عجزكُم إصنعوا أملا..
وأرسموا للعودةِ خريطة..
وشقّوا من المستحيل طريقاً.
وامشوا فوق جراحنا..
واجعلوا شرابَكُم من دمائنا.
واجعلوا طعامكُم من لحومنا.

فما عاد يضيرُنا الألم.
بلا إحساسٍ غدونا.
وبلا تاريخ.
فقد نسيناكم..
ومحونا أحلامنا ومحوناكُم...
وصرنا مثلكم بلا ذاكرة...
وصرنا مثلكم مجرّد أرقام...
بلا تاريخ...
بلا عنوان...
وحتى بلا أحلام...
فقد ضعنا يوم أضعناكم.
فهل نلقاكمُ يوماً؟ هل نلقاكم؟؟؟!!


استوقفتني وراقت لي هذه القصيدة لابنة بلدي مصمص ، حنان اغبارية ، وهي حالة وصفية لواقع ومكابدة اللاجئين الفلسطينيين المشردين في خيام الذل والقهر والبؤس والشقاء الإنساني ، الذين يعصف الشوق والحنين في قلوبهم وصدورهم ، ويتوقون للعودة ومعانقة الوطن وترابه الغالي ، وطواهم النسيان ، وأصبحوا بلا تاريخ ، وبلا عنوان ، وحتى بلا أحلام ، ومجرد أرقام – على حد قولها وتعبيرها ، وهي تتساءل بكل ألم وحرقة وغصة في الحلق والقلب : هل نلقاكم يومًا ؟؟!

وهذه القصيدة تذكرنا وتعيد إلى أذهاننا قصيدة شاعرنا الفلسطيني الكبير محمود درويش " عابرون في كلام عابر " ، حيث نجدها متأثرة بمعانيه وأسلوبه ، وتجري معه .

حنان اغبارية شغوفة بالقراءة والمعرفة ، تقرأ وتكتب الشعر والخاطرة الأدبية ، بإحساس أنثوي فطري ، وبعاطفة وطنية وإنسانية صادقة ، ولها مجموعة كبيرة من القصائد الوطنية والاجتماعية والوجدانية المنشورة على صفحتها في الفيسبوك ، التي تستحق القراءة والتوقف عندها . وكيف لا تكون حنان شاعرة وقد عاشت وترعرعت في بيئة محبة للعلم ، وعاشقة للكلمة حد الثمالة ، ومهتمة بالأدب والثقافة والقراءة ، واخوالها شعراء وأدباء كبار معروفين ، وهم راشد حسين ، وأحمد حسين ، وكمال حسين ..!!

ما يميز قصيدة حنان اغبارية طابعها الفلسطيني ، وصدق المشاعر الوطنية ، والرؤية العميقة ، والموقف الوطني الملتزم الواضح ، والعفوية التي جاءت بهذا الصدق الذي نلمسه بين ثنايا سطورها وتعابيرها ، فضلًا عن الشفافية والانسيابية والتدفق الشعوري السلس ، واللغة السهلة المتماسكة ، التي تلامس شغاف القلب ، وتعانق الاحساس ونبض الوجدان .

إنها قصيدة بالغة الجمال ، فيها رقة واحساس عالِ بالوطن والمشردين ، وفيها صورًا جميلة ، وروحًا صافية ، وقريحة تتدفق كأمواج البحر ، يسكنها الحزن والألم والوجع الفلسطيني ، لما آلت اليه أحوال المهجرين ومعاناتهم الإنسانية ، وما وصل اليه الحال الفلسطيني ووضع شعبنا من تشتت وتمزق وصراعات سياسية .

حنان اغبارية موهبة ويراع متدفق بالمشاعر ، تحفل نصوصها بصور واستعارات وتشبيهات وأوصاف متقنة ، ولغة رشيقة عذبة ، تعكس ثقافتها ومقدرتها الشعرية على البوح والتعبير والتوصيف ، وتتمتع بروح شاعرية سابحة في بحار من ندى شفيف ، وواقعية مفرطة حد الإدهاش ، وتطرق نوافذ أحلامنا بدفء الكلمة ، وصدق المعاني ، ورقة الاحساس الشعري المتدفق النابض الملتزم بالهم الفلسطيني والوجع الإنساني .

حنان اغبارية ، لك التحية ، واصلي الدرب ، ولك المستقبل الزاهر المخضر ، قدمًا إلى امام ، وبانتظار المزيد من الانتاج والإبداع الناضج المتماسك .
...