كنوز نت - بقلم : يوسف جمّال – عرعرة.


صور وذكريات


 كيف أصبح حماري ,مستوطناً يقلع زيتون العرب.!!


قبل أيام , وأثناء عودتنا من زيارة لأحد أقربائنا في جنين, رأينا - أنا وحماري- "نجوم الظهر " عند عبورنا "للمحسوم", فلم نستطع العبور إلا بشقِّ الأنفس, فقد رفضوا السماح له بالرجوع الى بلده في عرعره, إلا بابراز هويته. ولما كانت هويته القبرصية ,التي ورثها عن أجداده العظام, لم تنل اعترافاً من قبل السلطات الإسرائيليه, مدَّعيه أنها لا تعطي التصاريح إلا للحمير, التي استوردت من أوروبا.
    
 ولم تشفع لحماري هويته القبرصية, وأنكم كما تعلمون, ان جزيرة قبرص, هي جزء من قارة اوروبا. فقد رُفض "إدعائه" حيث تساءل موظفو الداخليه:
"كيف يكون قبرصياً ولونه أسود كالغراب" !!؟
   
 وعندما توجه محاميه الى القضاء, مدعياً ان سواده جاء نتيجة للمصاهرة مع ابناء البلاد, رفضت المحكمة طلبه, مستندة على القانون الاسرائيلي, الذي "يُحرِم" حمير بلادنا من الجنسية الاسرائيلية.

وإذا عدنا الى حادثه المحسوم, فلم تشفع لحماري كل محاولاته لإقناعهم بالعبور, إلا بعد ان قال لهم مهددا: "سأرجع الى الضفة الغربية, واستوطن فيها ,وسأقيم فيها مع جماعتي الحمير, مستوطنة جديدة نطلق عليها اسم (هتنحلوت התנחלות الحمير)..!!"

 وهناك ستقعون بمأزق خطير: فان سمحتم لهذه المستوطنة ان تقوم, قامت عليكم الدنيا- فلن تسلموا من قطعان المستوطنين, ففي السماح لهذه المستوطنة بالقيام, فإنكم ستكونون قد انتهكتم المبدأ الأساسي, الذي قامت عليه عمليات الاستيطان , وهو انه لا تُعطي أرض اسرائيل إلا لشعبه المختار, وإعطائكم قطعة من هذه الأرض لفئة أخرى من مخلوقات الله , "فيه مخالفة لأوامر الرب !.

وإن "مسحتم" المستوطنه عن وجه الارض, كما فعلتم لقرى الفلسطينيين ,فستقوم عليكم قيامة جمعيات الرفق بالحيوان في العالم قائلين لكم :
 "انكم انتهكتم جميع مبادئ الرفق بالحيوان !", فتزيد بذلك كراهية الشعوب لكم, وتخسرون ما بقي لكم من تعاطف في العالم.
فأخلوا سبيله محذرين: "لن تمرَّ مرة اخرى, إلا بهوية اسرائيلية زرقاء!" .

وعندما سألهم كيف سيحصل عليها, والسلطات الاسرائيلية ترفض منحة الهوية, رافضة التصديق, ان أجداده ولدوا في قبرص.!؟
ردَّ عليه ضابط المحسوم: "ان هذا ليس من شأننا, ولا من اختصاصنا.!.
قضى حماري أيامه مهموما ساهما, لا "يصيب" شيئا من عليقه, ولا "يبل" ريقه الا بجرعه من ماء, لا تروي حرذوناً, فحزنت على حزنه, وأصابني الهم على همومه.

   ولما مررت بباب بيته , ناداني فهرعت إليه مستبشراً ,قائلا لنفسي- ربما انفرجت أساريره, وابتعدت عنه حاله الاكتئاب, وقبل ان تخرج مني بنت شفه , صرخ مهللا:
  وجدتها.! وجدتها.!
  ما التي وجدتها.!؟
 وجدت الحلّ.! وجدت الحلّ لمشكلة الهوية.!.
أكمل وفوران من الزهو والفرح, يتراقص على أذنيه وحاجبيه.
 
 ما هي.!؟ قل وخلصني من هذا الموقف السخيف, الذي وضعتني فيه.! صرخت به بعد ان شعرت بفوران من الغضب , يتعالى من أعماقي.
 لقد وجدت الطريق , التي سأحصل على الهوية بها .. سأسافر الى قبرص.!
 الى قبرص.!؟ صحت به , وأنا ألملم يدي متأهباً لخنقه.

 سأسافر الى قبرص لأبحث عن أصلي , وأحضر الأوراق والشهادات , التي ستثبت ان أصل أجدادي من قبرص.. وسأبحث ان كانت إحدى جداتي, كانت قد تحت ولاية إحدى العائلات اليهودية, او لها صلة قرابة بحمير قبرص, التي أصحابها كانوا يهودا.!

 ولم يسمع حماري لنصائحي, التي حاولت بها ثنيه عن هذه الرحلة.. ولكن كما تعرفون فهو حمار بن حمار, وتعرفون أيضاً, مقدار صلابة رؤوسهم وعنادهم ,وظاهرة تجحيشهم, التي انتشرت أخبارها, في كل البلاد والعباد.!
 فودعته في ميناء حيفا, متمنياً له السلامه والتوفيق في مهمته.!
ولم يغب حماري عني طويلا, اذ لم تستغرق رحلته إلا أسابيع معدودات..
 ذهبت لاستقباله في ميناء حيفا.. وعندما وقعت عيناي عليه, أثناء نزوله من السفينه, رأيت العجب العجاب.. كانت أذناه تتراقص في أعلى رأسه, ويمشي مشيه فيها تكبِّر وخيلاء, وعندما اقترب مني, بانت الأوراق التي كان طرفها مدسوساً في أذنه, وهو يحاول بكل الطرق عرضها ,على كل من حوله, من المسافرين وموظفي الميناء.!

وعندما وصلني صافحني بأذنه, وابتسامة حميرية متشفيه, تجتاح شدقيه كأنها تقول لي :
"لقد احضرت الغنيمة, رغم معارضتك سفري.!"
وعندما سحبت الأوراق من أُذنه وفتحتها, وقرأت ما تحمله هالني الأمر, لقد كانت عبارة عن ملف, يحوي عدة أوراق:
واحدة منها, كانت رسماً وخارطة لشجرة عائلته الحميرية, تبدأ من جده حمارويه بن جحشان القبرصي, ومن ثم تفصل تسلسل نسب هذه العائلة الكبيرة, حتى تصل الى أيامنا هذه.

أما الورقة الثانية ,فكانت عبارة عن موجات هجرات هذه العائلة من قبرص, وانتشارهم في جميع بقاع الارض, وكان منها, قدوم جده "جحش بن كر بن حمارويه", الى بلادنا, وكانت هذه الهجرات مؤرخه بتواريخ دقيقة, وقد سجل فيها ان جحش هذا, قدم الى بلادنا, قبل ما يزيد عن قرن من الزمان.
 أما الورقة الثالثة فكانت - وحسب رأي حمارنا- الأكثر خطورة وأهمية, فقد كانت عبارة عن وثيقة تثبت ان إحدى جداته: "حمرانه بنت مجحوشة بنت حمارويه", كانت ملكاً لإحدى يهوديات قبرص, واسمها "צפורה בת יצחק הקוהI" تسبورة بنت يتسحاق هكوهين".. وهنا سألت حماري والدهشة تتملكني:

-لماذا تعطي كل هذه الخطورة وهذه الأهمية, لهذه الوثيقة.!؟
فنظر الي بعينيين, تملأهما كل علامات السخرية والاستخفاف, بمقدار فهمي ولماحتي:
-هذه الوثيقة هي التي ستعطيني الهوية الزرقاء - يا صاحبي.! هذه الورقة التي سترفع رؤوساً, وتخفض رؤوساً.!
-كيف..!؟ صرخت به, وأنا أحاول ان أغور في تفكيره, لأعرف ما الذي يخزنه في تفكيره.!
-هذه الوثيقة تثبت ان في أصولي نسباً يهودياً.!
قال وفي لهجته, تياراً جارفاً من السخرية والتشفّي من جهلي.!
-وماذا يعطيك هذا.!؟ صرخت به بعد ان شعرت ان مخزون صبري قارب على الانفجار.!
- سينطبق علي قانون العودة.. الذي سيعطيني الحق في المواطنة الإسرائيلية.!
فبقيت واقفاً متجمداً في مكاني, وعندما أفقت من تجمدي, تذكرت المقولة القديمة التي تقول "خذ الحكمة من أفواه الحمير.!".
وما هي إلا أسابيع قليلة, حتى كانت الهوية الزرقاء مربوطة, على أذن حماري , يتلاعب بها بأذنيه مختالاً ,وأصبح نهيقه يناطح السحاب, ودبيب رجليه يدق الارض.

فدخلت عليه في إحدى الأيام, أتفقد أحواله بعد هذا الفوران الذي أصابة, فقال لي بدون مقدمات:
-لي طلب بسيط - يا سيدي- قالها كعادته القديمة, عندما يحتاج مني شيئا مهما بالنسبة له:
-أريد ان تشتري لي "קפה".!
-"קפה" !! عن ماذا تتكلم.! صرخت به.

-هذه الطقيَّة الصغيرة ,التي يضعها اليهود المتدينون على رؤوسهم..!! قال وهو "يتجفّل" خائفا من ردود فعلي.
-لماذا تريدها – يا حماري- العظيم.!؟ قلت وقد شعرت ان قواي , بدأت لا تستطيع حملي او احتوائي.
-اني سأودعك بعد ان أحصل عليها, وأتوجه للاستيطان في الضفة الغربية. وهي ستساعدني في قبولي, لإحدى المستوطنات هناك.!
وبعد أسابيع قليلة, صادت عيناي خبراً في إحدى الجرائد يقول:

    "لقد قبض على حمار يشارك قطعان المستوطنين, بقلع أشجار زيتون قرية يعبد الفلسطينية.! "
وعندما تمعنت في الصورة ,التي كانت "تزيِّن" الخبر, رأيته هو .! لقد كانت صورة حماري.!