كنوز نت -  يوسف جمّال - عرعرة


صور وذكريات

ثلاث نساء , لن يخرجن من ذاكرتي ..!


المرأة الاولى : تبحث عن الأنجليزية في اسطنبول .!


بينما كنت أتجول في أحد أسواق المدينة, برفقة بعض الأصدقاء, وإذا بشاب في مقتبل , كان يشد زوجته التي كانت برفقته من يدها, ويتجهان نحونا. وعندما اقتربا منا , أشار الي بإصبعه وصاح بها:
هذا هو الأستاذ.!".
وبعد التحيات الروتينية , في مثل هذه المواقف.. قالت بمرارة:
"ولّ يا أستاذ... دخنا ونحن نجوب شوارع ومحلات اسطنبول التجارية, ولم ينطق زوجي حتى بكلمة واحدة باللغة الانجليزية !!.
 رغم إنك علمته هذه اللغة خمس سنوات .! تخرج من تحت يديك , دون ان يتعلم حتى ولو كلمة واحدة.!".
فضحك كل الحاضرين - إلا أنا وهو ..
  لأننا عرفنا - أنا وهو - أننا التقينا في جوٍّ تعليمي مجحف , لم يعطنا الأدوات , كي نتواصل مع بعضنا..
  حاولنا ولكنا عجزنا .. لقد رمونا في بحر متلاطم الأمواج , ولم يزودونا بالمجداف, فغرق الكثير من الطلاب أمثاله , في بحر الجهل القاسي.!

المرأة الثانية : حِسِنْ تصنع من القيود بطولة .!!

 التقيت به, وأردت ان أفتح حديثا معه, يشغلنا لمدة , جبرتنا الظروف لقضائها معا, فبادرته بسؤال عفوي, لم أفكر به سابقا.
"لماذا سموكم أولاد حِسِنْ , وليس أولاد جابر, على اسم جدكم .!؟
     فبدأ يروي قصته , حول أسباب هذه التسمية, كأنها كانت حاضرة على لسانه. فبدأها بالحديث عن بطولات جده , وقوة شخصيته وهيبته.. وسيطرته, وتحكمه بكل ما حوله, وخصوصا زوجته, حتى أنه كان كل أراد ان يضربها معاقباً ,فكان يناديها, طالباً منها تحضر العصا معها .!
فيضربها ما شاء له , وهي واقفة كالصنم , تتلقى وجبتها من الضرب , دون ان تشكو او تبكي او تصرخ , فإذا انتهى من الضرب, ناولها العصا لترجعها في مكانها المأمون , حيث كانت تحافظ عليها, كأنها شيئاً ثميناً, لا يمكن العيش بدونه..
 وكان إذا اقترب وقت صلاة الجمعة, في أيام الحصيدة , وكان مضطراً ان يتركها لوحدها في الحقل, والتوجه الى المسجد في البلد ,لأداء الصلاة كان يرسم حولها بعصاه , دائرة بمساحة أمتار معدودة ,وكان عليها ان لا تتخطّى حدودها ,إلا بعد رجوعه من الصلاة.
حتى جاء يوم ..
 دخل عليها زوجها, فصرخ بها كعادته , طالباً منها ان تعد أولادها السبعه , وما يمكن رزمه وحمله.
وعندما سألته عن السبب, أجابها لأول مرة على سؤال:
 اليهود اقتربوا من البلد ولا بدَّ من الرحيل.!! ".
 فانتفضت كأنها لبؤة , خرجت من ثوب الشاه الوديعه, وصرخت بتحدّي:
"هذا لن يكون إلا على جثتي.!".
 تناولت العصا من مكانها, وجمعت أطفالها حولها, ورسمت بعينيها المتحديتين دائرة وهميه, صممت ان تضرب بها من يقترب من أطفالها.
        كلُّ هذا, وزوجها غارق في بحر من الدهشة والاستغراب, ولسان حاله يقول:
"كل هذا يطلع منك يا حِسِن.!؟ وشعر انه يذوق لأول مرة طعم الهزيمة .
ولم يتركوا البلاد .. ولو يتحوَّلوا الى لاجئين ..
وذلك بسبب بطولة حِسِن .!

المرأة الثالثة : على جثتي .!

بينما كانت حمّى "التصويت" تحتل كل قطعة من بلدنا ..غزا جسم أمي النحيل مرضا , فرافقته الحمّى , رفيقته الدائمة , التي لا يستغني عنها.
 ولما كنّا - نحن أولادها- منشغلين بالانتخابات, وما تتطلبها من جهود ..
     أشفق جارنا على أمي , من تبعات المدة , التي ستستغرقها البحث عنا. "ستموت المرة قبل ان يحضر أولادها .! " . قال للمتجمعين حولها ..
فاتصل بالطبيب مستغيثا.. فأتى الطبيب مسرعاً.
وعندما وصل .. وقبل ان يكشف عنها , قال لها مازحاً:
-لن أعالجك إلا إذا وعدتيني بالتصويت معنا.!
-لمن ستصوِّت.!؟ سألته وهي تإن من الألم.
-أنا أصوِّت للحكومة!! همس وهو ينظر حوله.
-لن أصوت للحكومة .! لا تحاول .! قالت باصرار.
فقال متوعداً:
-إذن سأتركك تموتين.!
-اتركني أموت.. ستنقذني من العيش , تحت حكم هذه الحكومة .! قالت وهي تغور في بئر من اليأس.
-سأجعلهم "يقطعون" مخصصات التأمين عنك.!
-لقد عشنا قبلها.. وسنعيش بعدها.!.
 أجابتهُ بتح