قراءة في قصيدة "حضور في عليائه الأسمى" للشاعر: سامي مهنا.
الناقد: محمد علي سعيد- طمره/ عكا. (في تكريم الشاعر يوم: 1- 3- 2019)

في قراءتي المتبصرة للديوان الخامس للشاعر: سامي مهنا، شدتني أكثر من قصيدة مترعة بالايحاءات الصوفية، ولعل أبرزها " حضور في عليائه الأسمى" ص19.
في هذه القصيدة الممتدة على صفحات، وجدت من عنوانها علاقة بينها وبين الخطاب الصوفي، قرأتها فوجدت تأكيدا لدلالة العنوان. ففيها يخاطب الشاعر (الأنا النصية) الانسان الآخر ونوعَ وجوده، فالوجود هو الحضور المادي الفردي كأي شيء آخر أو الحضور الكوني الحاضر في كل شيء آخر. فالوجود المادي يكون حضورا محايدا أو سلبيا أو ايجابيا ولكنه يبقى مفردا في مجال متاع الدنيا المادي (والدنيا مؤنث الأدنى)، يبقى وجودا حائرا بين الآخرين (موجود كضوء حائم في زحمة النور النهاري المشع.. إنك تائه حتى تثبت حضورك) أي لا قيمة لحضورك فهو ضائع وتائه في زحمة النور ويبقى ماديا مفردا ومصيره الانتهاء بالموت مثلا. ثم ينتقل الشاعر ليخاطبه ويرشده ويهديه السبيل كي يصير حضوره كونيا أبديا ما بقي الكون (ثبّت حضورك كي تثبت دورة الأبدي في الآني.. كن حاضرا في كل رسم بالمخيلة المحمّلة افتراضك أو مخاضك )، وحتى يكون حاضرا كونيا لا بد من معاناة المَخاض بالتمرد والتجدد والتفرد ليتخلص من كل رواسبه المادية الآنية، ( كي يرتقي بالنفس في لهب المشاعر في معالي الروح..) ويتحد مع كل شيء ويصبح صلاة أو نشيدا.
ويكون عشقُه للأنثى الجسد يختلف عمّا كان عليه في مرحلة وجوده المادي، وكي يتحرر من قيود دنياه يصغي الى دهشة اللحن الذي يتعدى السمع ليسمع الصمت ويرى المحجوب ويرقص على إيقاع هذا الكون (فالكون إيقاع وعزف الله حالات.. وإن الكونَ نايات وخمر..)، ويأكل التفاحة دلالة المعرفة الروحانية لأن مذاقها هناك يختلف عن مذاق ومعرفة البشر، فهو في أعلى مراتب الحب إنه الحب الإلهي وقد بلغه بسبب حضوره الروحي والكوني ، بعد أن تغلب على ذاته وأصبح في (سمت الحضور وصمته ونشيده الآتي) والسمت هي الطريق والمذهب الواضح في القمة في الأوج وهو السكينة والوقار، (وكل هذه المعاني تثري مضمون القصيدة وجوِّها) ، وتنتهي القصيدة (.. فأنت الآن سيّد ذاتك العليا وأنت الآن الآن الآن تكتمل)، حيث يتوحد مع الحقيقة الكونية فيصبح هو الكون والكون هو،
• نجح الشاعر في ابداع قصيدة صوفيه رائعة جدا ومدهشة (والشعر يكون ولا يعني)، فهي عمودية البناء في ترتيب محطات الانتقال من الوجود المادي الى الوجود الروحاني الكوني، وحتى تتواصل القصيدة مع القارئ لتقنعه بفكرها، قام ب "تقصيد اللغة" بحسب تعبير الناقد محمد مفتاح، أي أثثها بكثير من المفردات والتركيب اللغوية المشحونة بالعالم الصوفي: {النور، الايقاع، دورة الأبدي في الآني، الارتقاء، الاكتمال، نبع الوحي، المدى، ترتقي بالنفس، معالي الروح، دهشة الاصغاء، عزف الله حالات، ...}.
كما ووظف شاعرنا بوعي، وتيرة الإيقاع ومحطات النبر، ونوّع فيه دون أن يُخل في البحر الخليلي وهو الكامل هنا، فحتى يصل الصوفي الى حالة التوحد مع الكون ويذوب ويحلق في الذات الربانية لا بد من وسيط، وغالبا ما يشارك في حلقات الدروشة بالرقص وحرية الحركة وتكرار كلام الذكر الرتيب وغيره ليتحرر من نفسه الدنيوية ويحلق في الأعلى قريبا من الذات الإلهية. على إيقاع: الله حي الله حي، ولنقرأ بعض تنويعات الايقاع (فقولٌ ثم رأي ثم فكر وبدأ سطر ثم نثر ثم شعر... وخوض شرب ثم ريّ ثم سكر وخطو سير ثم ركض ثم كر.. وأنت الآن مشتعل ومنتقل ومرتحل ومحتفل... ).
كما وظف شاعرنا بوعي، اسلوب التتابع المتوتر في الافعال والاسماء، (لاحظ نموذج الايقاع الذي اقتبسته). واعتمد التثليث في تكرار كلمة الآن في نهاية القصيدة (وأنت الآن الآن الآن تكتمل) الآن الأولى تحديد زمن إنهاء سيرورة الاكتمال وقد نضجت وخط التماس بين الوجود وانفصاله نحو الحضور، والآن الثانية للتأكيد والثالثة لترسيخ يقين الانتقال. حقا، لقد كانت قفلة رائعة وماتعة ونافعة مما ساعدت مع غيرها من تقنيات في بلورة الوحدة الجمالية/ الفنية والفكرية والشعورية في القصيدة مما جعلها تواصلية أكثر منها إيصالية ترتفع بمشاعر القارئ فيتفاعل معها ويتأثر، ناهيك عن الحركة النفسية الشعورية المواكبة للقصيدة بهدف دعم التواصل والتذويت.

الناقد: محمد علي سعيد- طمره/ عكا

الشاعر: سامي مهنا برفقة زوجته
03/03/2019 01:45 am 7,410
.jpg)
.jpg)