الراديو أيام زمان.../د.محمد عقل


في فترة الحرب العالمية الثانية جلب الإنكليز إلى قرية عرعره راديو وقدموه للمختار لكنه رفض استلامه فأعطوه ليونس السلامة حيث وضعه في ديوانه وراح الناس يزورنه حتى يترجم لهم ما ورد في نشرة الأخبار. في سنة 1952 اشترى الأستاذ صبحي توفيق يونس راديو.كان شراء الراديوهات في تلك الفترة نادرًا ويتطلب الحصول على رخصة رسمية من السلطات.

في الخمسينيات من القرن الماضي اشترى بعض أهالي عرعره راديوهات تعمل على بطارية تشبه بطارية السيارات، ولما كانت تفرغ كانوا يرسلونها إلى زمارين للتعبئة، وهذا الأمر فيه مشقة وعناء وطول انتظار.

في عام 1956 جرى الاعتداء الثلاثي على مصر، وجرت مذبحة كفر قاسم، وفشا الأمر بين الناس بفضل الراديو.

في الستينيات من القرن الماضي كثر عدد الراديوهات واشترى الناس المروحيات التي تعمل بالرياح لتعبئة البطاريات ولكن هذه فشلت لعدم هبوب الرياح في فصل الصيف، ولهبوبها بعنف في الشتاء ما أدى إلى انكسار المروحة المصنوعة من الخشب. في سنة 1960 اشترى لنا والدي راديو من نوع الأمل من وكيل الشركة وهو من باقة واستصدر رخصة وكان البث يلتقط بواسطة أسلاك تمد على سطح البيت.

 في تلك الفترة افتتح أول مقهى في عرعره وفيه ماتور لتشغيل أول تلفزيون لصاحبه الحاج سليمان محمود سيف. في هذا المقهى استمعنا إلى خطاب جمال عبد الناصر في عيد ثورة يوليو. لكن المقهى فشل وأغلق، ولم يفتتح مقهى آخر في القرية إلا بعد سنوات.

 بدأت تظهر الراديوهات اليدوية التي تعمل على بطاريات جافة، فصار الراديو أنيس وحدتنا يرافقنا صباح مساء. نستمع إلى الأغاني والبرامج السياسية والأدبية والاجتماعية بحيث تبلور لدينا فكر ومواقف. 


في السبعينيات ظهر الفونوغراف والأسطوانات وما زالت لدي مجموعة من الأسطوناتت لكبار المغنين مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة.

في الستينيات كان الراديو والجريدة هما وسيلتا الاتصال مع العالم الخارجي. في القرى نعموا بالراحة والهدوء، فلا فيسبوك ولا توتير ولا انترنت، ساد بينهم الصفاء والمحبة والتزاور والألفة والتعاون. أما اليوم فالشخص وحيد في بيته وقريته رغم ما يحكون عن تحويل العالم إلى قرية صغيرة.

وعلى ذكر الراديو كان الأطفال يحاولون رؤية ما في داخل الراديو علهم يبصرون من يتكلم.! وعندما كانت تغني صباح كانت الأم تطلب من ابنتها إغلاق الراديو فورًا حتى يتسنى لأخيها أن يستمع لنفس الأغنية بعد عودته من العمل. ! وطلبوا من الذي يعبئ البطارية أن يملأها بصباح وسميرة توفيق، ولا يخلو الأمر من الفكاهة والتندر.